تشهد الساحة السياسية والعسكرية في السودان تطورات متسارعة في ظل استمرار الحرب التي اندلعت منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وهي حرب أعادت تشكيل موازين القوى داخل البلاد، وفتحت الباب أمام تحالفات جديدة في المشهد العسكري والقبلي والسياسي.
وفي هذا السياق، برز لقاء عضو مجلس السيادة الانتقالي ومساعد القائد العام للقوات المسلحة الفريق مهندس إبراهيم جابر إبراهيم برئيس مجلس الصحوة الثوري الشيخ موسى هلال عبد الله كأحد المؤشرات اللافتة على إعادة ترتيب الأوراق في مسرح العمليات، خاصة في إقليم دارفور الذي ظل لسنوات طويلة مركزاً للصراعات المسلحة.
اللقاء الذي جرى في العاصمة المؤقتة للحكومة السودانية حمل رسائل سياسية وعسكرية متعددة، في مقدمتها تأكيد القيادة العسكرية أن القوات المسلحة ماضية في ما تسميه “معركة حسم التمرد”، في إشارة إلى المواجهة المستمرة مع قوات الدعم السريع.
وأكد إبراهيم جابر خلال اللقاء أن القوات المسلحة ستواصل أداء واجبها الوطني حتى استعادة الأمن والاستقرار في جميع أنحاء البلاد، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب تماسك الجبهة الداخلية وتعزيز روح المسؤولية الوطنية في مواجهة التحديات التي تمر بها البلاد.
ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تعكس إصرار المؤسسة العسكرية على مواصلة العمليات العسكرية في مختلف الجبهات، خاصة بعد التطورات الميدانية التي شهدتها بعض الولايات خلال الأشهر الأخيرة.
لكن ما لفت الأنظار في هذا اللقاء هو حضور الشيخ موسى هلال، أحد أبرز القيادات القبلية والعسكرية في دارفور، والذي لعب أدواراً محورية في الصراعات التي شهدها الإقليم خلال العقود الماضية.
موسى هلال الذي يقود ما يعرف بـ “مجلس الصحوة الثوري السوداني”، أعلن خلال اللقاء استعداد قواته للعمل تحت إمرة القوات المسلحة والمشاركة في العمليات العسكرية الجارية في مختلف المحاور دعماً لما تسميه الحكومة السودانية “معركة الكرامة”.
هذا الإعلان يعيد إلى الواجهة دور التشكيلات القبلية والمليشيات المحلية في الصراع السوداني، وهو أمر يثير تساؤلات عديدة حول طبيعة التحالفات العسكرية التي قد تتشكل في المرحلة المقبلة.
ويرى محللون أن انخراط قوات مجلس الصحوة الثوري في القتال إلى جانب الجيش قد يغير بعض المعادلات الميدانية، خصوصاً في إقليم دارفور الذي يشهد مواجهات متقطعة بين القوات المتصارعة.
كما أن وجود موسى هلال في هذا المشهد يعكس أيضاً محاولة من قبل القيادة العسكرية لاستقطاب قوى محلية لها تأثير اجتماعي وقبلي في دارفور، بهدف توسيع قاعدة الدعم العسكري والسياسي في مواجهة قوات الدعم السريع.
وفي جانب آخر من اللقاء، قدم إبراهيم جابر واجب العزاء في ضحايا الأحداث التي شهدتها منطقة مستريحة بولاية شمال دارفور، معرباً عن تعازيه لأسر الضحايا ومتمنياً الشفاء العاجل للمصابين والعودة الآمنة للمفقودين.
وتأتي هذه التعزية في وقت تشهد فيه مناطق واسعة من دارفور أوضاعاً إنسانية وأمنية معقدة نتيجة استمرار الاشتباكات المسلحة وتدهور الأوضاع المعيشية.
وتشير تقارير منظمات دولية إلى أن الحرب في السودان تسببت في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، حيث نزح ملايين المواطنين من مناطق القتال، بينما يواجه الملايين خطر المجاعة ونقص الخدمات الأساسية.
ويرى خبراء أن أي تحركات عسكرية جديدة في دارفور قد تؤدي إلى مزيد من التعقيد في المشهد، خاصة في ظل تشابك المصالح القبلية والسياسية في الإقليم.
في المقابل، تؤكد الحكومة السودانية أن العمليات العسكرية تهدف إلى استعادة الاستقرار وفرض سلطة الدولة في جميع أنحاء البلاد، بينما تدعو جهات دولية إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى مسار الحل السياسي.
اللقاء بين إبراهيم جابر وموسى هلال تطرق أيضاً إلى الترتيبات العسكرية وأهمية التنسيق الميداني بين القوات المختلفة، وهو ما يعكس وجود توجه لتعزيز التعاون بين الجيش والقوى المتحالفة معه في الميدان.
ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة تشكيل واسعة للخريطة العسكرية في السودان، خاصة مع استمرار الحرب وتزايد الضغوط الدولية والإقليمية لإيجاد مخرج للأزمة.
كما أن أي تحالفات جديدة على الأرض قد تلعب دوراً مهماً في تحديد موازين القوى في الصراع، سواء على المستوى العسكري أو السياسي.
وفي ظل هذه التطورات، يبقى السؤال الأهم: هل تسهم هذه التحركات في حسم المعركة عسكرياً، أم أنها ستؤدي إلى إطالة أمد الصراع وتعقيد المشهد أكثر؟
الإجابة على هذا السؤال ستعتمد إلى حد كبير على تطورات الميدان خلال الفترة المقبلة، وعلى قدرة الأطراف المختلفة على فرض رؤيتها للحل في السودان الذي يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي.