Table of Contents
ضربات استباقية لسلاح الجو تُدمر تعزيزات قتالية وطلائع “تحالف تأسيس” قرب “الدلنج”، وإحباط محاولات محاصرة المدينة مجدداً وقطع شريان الحياة مع “كادوقلي”.
الدلنج/كادوقلي – تقرير خاص: الساحة الإخبارية
في تطور ميداني لافت يحمل دلالات استراتيجية عميقة في مسار الصراع المعقد بولاية جنوب كردفان، نفذ سلاح الجو السوداني، الأحد، سلسلة من الغارات الجوية الدقيقة باستخدام طائرات مسيّرة، استهدفت مواقع وتجمعات تابعة لقوات الدعم السريع ومقاتلي الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال (جناح عبد العزيز الحلو)، بالقرب من مدينة الدلنج الاستراتيجية. وتأتي هذه الضربات الاستباقية لتجهض محاولات حثيثة من قوات “تحالف تأسيس” المولود حديثاً (الذي يجمع الدعم السريع والحلو) لإعادة فرض طوق حصار خانق على الدلنج، وقطع الطريق الحيوي الرابط بينها وبين عاصمة الولاية كادوقلي.
سماء الدلنج: غارات المسيّرات تُغير قواعد اللعبة الميدانية
أفادت مصادر عسكرية رفيعة وموثوقة لـ “الساحة الإخبارية” أن طلعات الطيران المسيّر التابع للجيش السوداني كانت مكثفة ودقيقة، حيث استهدفت بشكل مباشر تجمعات متحركة لقوات “تحالف تأسيس” وهي تحاول التقدم نحو مدينة الدلنج من اتجاهات مختلفة. وأكدت المصادر أن القصف الجوي أسفر عن تدمير عدد من العربات القتالية والمعدات اللوجستية ضمن القوة التي كانت تستعد للقيام بعملية هجومية واسعة، مما أدى إلى وقوع خسائر بشرية ومادية كبيرة في صفوف القوات المهاجمة وإجبارها على التراجع.
ويرى مراقبون عسكريون أن اعتماد الجيش المتزايد على المسيّرات في ولاية جنوب كردفان يمثل “تحولاً نوعياً” في تكتيكات المواجهة، خاصة في التضاريس الوعرة والمناطق الغابية التي تعيق تحرك القوات البرية التقليدية. إن دقة الإصابة والقدرة على الرصد والمتابعة المستمرة التي توفرها المسيّرات تُضعف ميزة “حرب العصابات” التي تتقنها الحركة الشعبية وتُقلل من فاعلية الحشود السريعة لقوات الدعم السريع.
“الدلنج”: من الحصار إلى التحرير ثم الصراع على خطوط الإمداد
تحتل مدينة الدلنج موقعاً جيوستراتيجياً فائق الأهمية في جنوب كردفان، فهي تعتبر ثاني أكبر مدن الولاية وبوابة رئيسية نحو كادوقلي ومناطق إنتاج النفط. لقد عانت المدينة من حصار خانق وعزلة مفروضة لأكثر من عامين، أدت إلى أوضاع إنسانية كارثية وتوقف تام للحياة الاقتصادية، قبل أن يُعلن الجيش السوداني فك هذا الحصار رسمياً في 26 يناير/كانون الثاني الماضي في عملية عسكرية واسعة.
منذ ذلك الحين، تستميت قوات الدعم السريع والحركة الشعبية (الحلو) لاستعادة السيطرة على المواقع الاستراتيجية التي كانت تستخدمها لإحكام الطوق على الدلنج. إن النجاح الذي حققه الجيش في مطلع مارس الحالي، عندما صد هجوماً كبيراً لقوات التحالف على الدلنج وأحبط محاولة “إعادة فرض الطوق”، قد أثار غضب “تحالف تأسيس” ودفعه لتكثيف حشوده العسكرية ومحاولات التقدم مجدداً، وهو ما قوبل بضربات المسيّرات الاستباقية.
تحالف “تأسيس”: الدعم السريع والحلو يجمعان الأوراق لقطع طريق كادوقلي
كشفت المصادر العسكرية أن قوات تحالف “تأسيس”، الذي يضم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، تعمل منذ أيام على حشد كبير لمقاتليها وتجميع أسلحتها في مناطق قريبة من الدلنج. الهدف المعلن والواضح لهذا التحشيد هو تنفيذ عملية هجومية منسقة لقطع الطريق الإستراتيجي والرابط الوحيد بين الدلنج وكادوقلي، مما سيؤدي في حال نجاحه إلى عزل المدينة مجدداً وشل حركة الإمداد العسكري والخدمي بين المدينتين.
إن هذا التحالف المولود من رحم “تقاطع المصالح” يمثل تحدياً أمنياً وعسكرياً كبيراً للدولة السودانية في جنوب كردفان. فالدعم السريع يسعى لتوسيع رقعة سيطرته ونفوذه في المنطقة، بينما تهدف الحركة الشعبية (الحلو) لاستعادة نفوذها التاريخي في جبال النوبة وممارسة المزيد من الضغوط على الحكومة المركزية لتمرير أجندتها السياسية. إن “قطع طريق كادوقلي” ليس مجرد هدف عسكري بل هو “ورقة ضغط” سياسية وإنسانية قوية يطمح “تحالف تأسيس” لاستخدامها.
تكتيكات الردع: استراتيجية “تعطيل التحركات”
تعتمد قيادة الجيش في جنوب كردفان حالياً على استراتيجية الردع الفعّال وتعطيل تحركات قوات “تحالف تأسيس”. وتشمل هذه الاستراتيجية تنفيذ ضربات جوية متكررة ومباغتة، سواء عبر المسيّرات أو الطيران الحربي، على نقاط التجميع، وخطوط الإمداد، وطلائع القوات التي تحاول التقدم نحو الدلنج أو محيطها. الهدف هو ليس فقط إيقاع أكبر قدر من الخسائر، بل أيضاً زعزعة معنويات القوات المهاجمة، وإرباك خططها، ومنعها من تشكيل “كتلة قتالية حرجة” قادرة على تهديد المدينة بشكل جدي.
ويرى خبراء أمنيون أن هذه الاستراتيجية الردعية تتطلب تنسيقاً عالياً بين الرصد الجوي الاستخباري ووحدات القصف، وهي تثبت فاعليتها حتى الآن في منع تحالف الدعم السريع والحلو من تحقيق اختراق ميداني كبير في جبهة الدلنج، رغم محاولات الحشد المستمرة.
الأبعاد السياسية والإنسانية للصراع في جنوب كردفان
إن التصعيد الميداني في جنوب كردفان لا يمكن عزله عن المشهد السياسي والإنساني المعقد في السودان ككل. فاستمرار الصراع في هذه الولاية يهدد وحدة البلاد واستقرار الإقليم المسالم تاريخياً، ويزيد من معاناة المدنيين العزل الذين يجدون أنفسهم عالقين في أتون المواجهات العسكرية. إن إعادة محاصرة الدلنج أو قطع طريق كادوقلي سيعني انقطاع المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية عن آلاف الأسر، مما قد يؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة.
من الناحية السياسية، يرى البعض أن تحالف الدعم السريع والحلو في جنوب كردفان قد يعقد جهود السلام ويزيد من حدة الاستقطاب العسكري. فبينما يصر الجيش السوداني على “الحسم العسكري” والقضاء على التمرد، يحاول الدعم السريع والحركة الشعبية (الحلو) خلق واقع ميداني جديد يفرض نفسه على أي مفاوضات مستقبلية ويضمن لهما دوراً مؤثراً في صياغة مستقبل البلاد.
خاتمة: مستقبل الدلنج بين الحسم والتحالف الميداني
لقد أثبتت غارات المسيّرات الأخيرة فوق الدلنج أن الجيش السوداني يمتلك زمام المبادرة الميدانية في جنوب كردفان، وأنه لن يتوانى عن استخدام كافة الوسائل العسكرية المتاحة لمنع إعادة محاصرة المدينة أو قطع خطوط إمدادها. إن نجاح الجيش في إحباط محاولات “تحالف تأسيس” يمثل انتصاراً ميدانياً ومعنوياً كبيراً، لكنه لا يعني نهاية الصراع في هذه الولاية الاستراتيجية.
إن مستقبل الدلنج وجنوب كردفان سيظل معلقاً بين قدرة الجيش السوداني على “الحسم العسكري” الشامل، وبين قدرة قوات الدعم السريع والحركة الشعبية (الحلو) على استمرار التحالف الميداني وتكثيف الضغوط العسكرية. إن الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار الصراع، فهل ستنجح سماء الدلنج في فرض هدوء ميداني عبر المسيّرات، أم أن تحالف الجبال سيعاود الكرة مجدداً؟