غارات إسرائيلية واسعة النطاق على طهران نفّذتها القوات الجوية الإسرائيلية في ساعات الفجر الأولى، مستهدفةً مواقع إنتاج الصواريخ الباليستية التابعة للحرس الثوري الإيراني، وسط تصعيد متواصل يدخل أسبوعه الرابع دون أي أفق للتهدئة. وكشف الجيش الإسرائيلي أن الضربات طالت مرافق في منطقة خوجير ومنطقة إستغلال الصناعية، وهي مراكز حيوية لإنتاج الوقود الصلب للصواريخ ومكوناتها، فيما تزامنت هذه الغارات مع مقتل المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني علي محمد نائيني ورئيس استخبارات ميليشيا الباسيج إسماعيل أحمدي. وتأتي الضربات في سياق حرب شاملة اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، وأودت حتى اليوم بحياة أكثر من ثلاثة آلاف شخص في إيران، بينهم ما لا يقل عن 1394 مدنياً، فيما أسفرت الردود الإيرانية على إسرائيل عن سقوط 4099 مصاباً إسرائيلياً وأكثر من عشرين قتيلاً. وبذلك يتضح أن هذه الغارات الإسرائيلية على طهران ليست حدثاً منفرداً بل هي حلقة في مسلسل تصعيدي متسارع لا تلوح نهايته.
عملية أسد زائر.. الأكبر في تاريخ سلاح الجو الإسرائيلي
لا يمكن فهم الغارات الأخيرة على طهران دون استيعاب الإطار الكامل للعملية العسكرية الإسرائيلية التي أُطلق عليها اسم “أسد زائر” (Roaring Lion). أعلن سلاح الجو الإسرائيلي أنه ضرب 500 هدف عسكري في غرب وسط إيران، باستخدام نحو 200 طائرة مقاتلة، في أكبر طلعة قتالية في تاريخه. وهو رقم يكشف عن حجم الجهد العسكري الذي بذلته إسرائيل منذ اليوم الأول، وطبيعة التخطيط الممنهج لاستهداف منظومات بعينها.
ركّزت المرحلة الأولى من الحملة على تدمير منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، إذ استُهدف نحو 200 منظومة، مما مكّن الولايات المتحدة وإسرائيل من السيطرة الفعلية على المجال الجوي من غرب إيران حتى وسط طهران في غضون 24 ساعة. و على هذا الأساس الجوي المُحكم، انطلقت الموجات المتعاقبة من الغارات التي تواصلت طوال الأسابيع الثلاثة الماضية.
مصانع الصواريخ.. القلب النابض للضربات
تكشف تفاصيل الغارات الأخيرة على طهران أن إسرائيل تسير بخطة محددة المعالم تستهدف قطع الشريان الإنتاجي للمنظومة الصاروخية الإيرانية. أكد الحساب الرسمي للجيش الإسرائيلي باللغة الفارسية أن الغارات استهدفت مركز إنتاج الصواريخ في منطقة خوجير، ومنشأة لتطوير مكونات صواريخ أرض-أرض وأرض-جو، فضلاً عن مركز إنتاج رئيسي للوقود الصلب للصواريخ، ومصنع كيميائي يُنتج مكونات ووقوداً للصواريخ.
وفي بيان رسمي، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفّذ موجتين متتاليتين من الضربات على مواقع إنتاج الأسلحة ومستودعات منصات إطلاق الصواريخ الباليستية داخل طهران. و توالت هذه الضربات في إطار استراتيجية واضحة تسعى إلى تجفيف المنبع، بدلاً من الاكتفاء بإسقاط الصواريخ في الجو.
وعلى صعيد الخسائر التراكمية في المنظومة الصاروخية الإيرانية، أعلن الجيش الإسرائيلي في وقت سابق أن ضرباته طالت أكثر من 150 صاروخاً باليستياً وأكثر من 200 منظومة دفاع جوي إيرانية. أ رقام توضح إلى أي مدى بلغ الاستنزاف في الترسانة الإيرانية.
رأس الحرس الثوري يتساقط
لا تقتصر الغارات الإسرائيلية على المنشآت العسكرية وخطوط الإنتاج، بل تطال بشكل منهجي قيادات الحرس الثوري والأجهزة الأمنية الإيرانية. أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني علي محمد نائيني في غارة الجمعة، مؤكداً أنه كان رئيساً لمنظومة العلاقات العامة في الحرس الثوري وكبير مسؤولي الدعاية فيه خلال العامين الماضيين.
وفي الإطار الأشمل، كشف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتز أن إحدى الغارات الإسرائيلية الليلية أودت بحياة وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب. ويأتي هذا بعد أيام من مقتل رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، وقائد ميليشيا الباسيج غلام رضا سليماني في ضربات إسرائيلية متعاقبة. وقد وصف مراسل الجزيرة في طهران هذا النزيف المتواصل في صفوف القيادات بأنه يُثير حالة من الخوف وعدم اليقين لم تشهدها إيران من قبل.
نتنياهو يُعلن انهيار منظومة الصواريخ الإيرانية
في أول مؤتمر صحفي له منذ بدء الحرب، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إيران باتت عاجزة عن تخصيب اليورانيوم وعاجزة عن إنتاج الصواريخ الباليستية، مؤكداً أن الحرب تستهدف تدمير البرنامج النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية وخلق الظروف التي تُتيح للشعب الإيراني تقرير مصيره بنفسه.
غير أن هذه التصريحات لم تمرّ دون تحدٍّ من الأمم المتحدة، إذ أكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي أن أجزاء من البرنامج النووي الإيراني ستظل قائمة رغم الأضرار الجسيمة التي لحقت به جراء الضربات العسكرية.
الأثر الميداني: تراجع حاد في إطلاق الصواريخ
تُظهر البيانات الميدانية أن الغارات المتواصلة على منشآت الصواريخ الإيرانية بدأت تُثمر نتائج ملموسة. أفاد الأميرال الأمريكي براد كوبر بأن معدل إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية تراجع 90% مقارنة باليوم الأول للحرب، فيما انخفض معدل إطلاق الطائرات المسيّرة بنسبة 83%. و هو تراجع يُجسّد الأثر الفعلي لاستراتيجية الضرب في العمق التي تنتهجها إسرائيل.
ويُرجّح المحللون هذا التراجع الحاد إلى عاملين رئيسيين: نجاح إسرائيل والولايات المتحدة في تدمير ما يصل إلى ثلاثة أرباع منصات الإطلاق الإيرانية، بما فيها تلك التي أُعيد بناؤها في الأشهر التي سبقت الحرب. والعامل الثاني هو أن طهران قد تسعى إلى الحفاظ على مخزونها المتبقي من الصواريخ لسيناريوهات أشد وطأة.
طهران تحترق.. مشاهد من العاصمة
لم تسلم المناطق المدنية في طهران من تداعيات هذه الحرب الضارية. أسفرت الضربات الإسرائيلية الأمريكية على مستودعات الوقود قرب طهران عن اندلاع “نهر من النار” في الشوارع المحيطة، وتصاعد سحابة كثيفة من الدخان الأسود التي خيّمت على المدينة وأمطرت محيطها بمطر أسود حمضي سام. و سارعت السلطات الإيرانية إلى إرشاد السكان بالبقاء داخل منازلهم وارتداء الكمامات والاقتصاد في الغذاء والوقود.
وقد دفع هذا الواقع المأساوي القيادة الوسطى الأمريكية (CENTCOM) إلى نشر رسالة بالفارسية والعربية تحثّ المدنيين الإيرانيين بشدة على البقاء في منازلهم، مُلقيةً المسؤولية على النظام الإيراني بسبب استخدامه المناطق السكنية لتنفيذ عملياته العسكرية.
الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية.. تغيير النظام هدفاً
تتضح من خلال مسار الحرب ملامح استراتيجية أعمق تتجاوز مجرد تبادل الضربات. أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل أن هدفهما المُعلن هو إحداث تغيير في النظام الإيراني، مع استهداف منظومته النووية وبرنامج الصواريخ الباليستية.
أن هذا الهدف الطموح يصطدم بحقيقة ميدانية معترف بها: تبدو إيران عازمة على الاستمرار في إطلاق صواريخها للحفاظ على الضغط وإثبات الصمود، وقد تحسب أن إطالة أمد الهجمات يمكن أن تُجهد قدرة إسرائيل على الحفاظ على معدلات الاعتراض المرتفعة. و معادلة تجعل الحرب أقرب إلى استنزاف متبادل منه إلى حسم سريع.
الخلاصة
الغارات الإسرائيلية الواسعة على طهران تُجسّد فصلاً جديداً في حرب باتت تُعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط بأسره. مصانع الصواريخ المدمّرة، وقادة الحرس الثوري الساقطون، والأرقام المتصاعدة من الضحايا على الجانبين — كلها مؤشرات تقول إن هذه الحرب لم تبلغ ذروتها بعد. والسؤال الذي يُلحّ على المراقبين: هل تُفضي الضربات المتواصلة إلى إرغام طهران على الرضوخ، أم أنها تُعمّق جراح مقاومة لن تنكسر بسهولة؟ الأيام القادمة وحدها تملك الجواب.