الحرس الثوري الإيراني يُطلق الموجة 78 من عملية “الوعد الصادق 4” مستهدفاً إسرائيل وقواعد أمريكية في المنطقة، لتُدوّي صفارات الإنذار في الجليل الأعلى وتنضم إلى سجل طويل من الليالي التي لا ينام فيها الشمال الإسرائيلي. ويأتي هذا الإطلاق في اليوم الخامس والعشرين من الحرب المشتعلة منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي، ليكشف أن إيران لا تُبدي أي مؤشر على التراجع أو التهدئة رغم الضربات المتواصلة التي تلقّتها. وتتصاعد وتيرة الموجات الإيرانية بشكل منتظم يُعبّر عن استراتيجية هجومية ممنهجة، مع استهداف القواعد الأمريكية في الكويت والإمارات والبحرين وقطر إلى جانب الأراضي الإسرائيلية. وفيما تمتد نيران الوعد الصادق من أقصى الشمال في الجليل إلى أقصى الجنوب في إيلات، بات من الواضح أن هذه الحرب دخلت منعطفاً لن تعود منه إلى الوراء بسهولة.
الوعد الصادق 4.. حرب الموجات المتتالية
منذ لحظة الصفر في الثامن والعشرين من فبراير، حين شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية مباغتة على مواقع ومدن متعددة في إيران، أودت بحياة المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين الإيرانيين، اختارت طهران الردّ بأسلوب لم يسبق له مثيل: موجات صاروخية وبالمسيّرات متتالية ومتصاعدة لا تتوقف، أُطلق عليها اسم “عملية الوعد الصادق 4″، وباتت تُشكّل إحدى أكثر الحملات العسكرية كثافةً في تاريخ المنطقة.
الموجة الـ78 اليوم ليست استثناءً بل هي استمرار لنهج راسخ. وصلت العمليات الإيرانية حتى العشرين من مارس إلى سبعين موجة من الضربات الصاروخية والمسيّرات تستهدف منشآت عسكرية إسرائيلية وقواعد أمريكية في منطقة غرب آسيا، قبل أن تتصاعد الوتيرة في الأيام اللاحقة حتى وصلت إلى الموجة الثامنة والسبعين اليوم.
ترسانة صاروخية متنوعة في كل موجة
ما يُميّز “الوعد الصادق 4” عن أي عملية إيرانية سابقة هو التنوع الاستثنائي في منظومات الأسلحة المُستخدمة. وظّفت الموجات الأخيرة أنظمة صاروخية من طراز فتّاح وقدر وعماد وخيبر شكن 4، إلى جانب طائرات مسيّرة هجومية، وهو نمط يتكرر في كل موجة بتشكيلات مختلفة تُبقي المنظومات الدفاعية الإسرائيلية في حالة استنزاف مستمر.
وفي إحدى الموجات السابقة، استخدمت إيران صواريخ متعددة الرؤوس ضربت 25 هدفاً في حيفا وتل أبيب في وقت واحد، فيما نفّذت وحدة المسيّرات الجوية ضربات على عدة قواعد أمريكية في المنطقة. ودخل صاروخ “حاج قاسم” الجديد ميدان المعركة في وقت سابق لأول مرة، مُضيفاً ورقة تقنية جديدة إلى الترسانة الإيرانية الهجومية.
القواعد الأمريكية.. هدف متكرر في كل موجة
لا تقتصر ضربات “الوعد الصادق 4” على الأراضي الإسرائيلية، بل تمتد بشكل منتظم إلى القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة. استهدفت موجات سابقة قواعد أمريكية في الكويت وقاعدتي المنهد والظفرة في الإمارات العربية المتحدة، وهو نمط تكرر في عشرات الموجات المتتالية.
وأكد الحرس الثوري في بياناته الرسمية أن مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين وقاعدة العديد الجوية الاستراتيجية في قطر، إلى جانب قاعدة الظفرة وقاعدة الشيخ عيسى، تعرّضت لقصف صاروخي وبمسيّرات ثقيل ومتكرر. وتمثّل هذه الضربات رسالة إيرانية واضحة مفادها أن أي وجود عسكري أمريكي في المنطقة أصبح في مرمى النيران.
الجليل الأعلى.. الشمال يدفع الثمن
دوي صفارات الإنذار في الجليل الأعلى الذي رافق إعلان الموجة الـ78 ليس حدثاً جديداً، بل بات روتيناً مرعباً لسكان الشمال الإسرائيلي. فمنذ انضمام حزب الله اللبناني إلى المشهد القتالي دعماً للموقف الإيراني، تحوّلت منطقة الشمال الإسرائيلي إلى جبهة مفتوحة، حيث تُنفّذ قوات المقاومة الإسلامية في لبنان ضربات متواصلة تستهدف تجمعات الجنود والمواقع العسكرية في مناطق مختلفة من الشمال.
وتزيد من تعقيد المشهد في الجليل حقيقة أن بعض الموجات الإيرانية استهدفت المنطقة بصواريخ متعددة الرؤوس، مما يجعل منظومات الاعتراض في سباق مستمر مع الزخم الصاروخي الوارد من الشمال والشرق في آنٍ واحد.
أربعة آلاف وأكثر.. الإصابات الإسرائيلية ترتفع
تتحدث الأرقام التراكمية عن ثمن بشري حقيقي تدفعه إسرائيل في هذه الحرب. ارتفع عدد المصابين الذين دخلوا المستشفيات الإسرائيلية منذ بدء الحرب إلى نحو 4462 إصابة، مع تسجيل أكثر من مئتي إصابة خلال يوم واحد فقط، وهو رقم يعكس الوتيرة العالية للضربات الإيرانية وأثرها البشري المتراكم. وتفرض السلطات الإسرائيلية رقابة مشددة على أي تقارير تتعلق بحجم الخسائر الحقيقية، مما يُصعّب الحصول على أرقام شاملة ودقيقة.
إسرائيل تدّعي تراجع الصواريخ.. إيران تُثبت العكس
في مفارقة لافتة، يأتي إطلاق الموجة الـ78 بعد ساعات من ادعاءات إسرائيلية بأن ضرباتها أضعفت القدرة الصاروخية الإيرانية بشكل جوهري. فبينما يتحدث المسؤولون الإسرائيليون عن تراجع حاد في معدلات الإطلاق الإيراني، يرد الحرس الثوري بموجة جديدة توثّق استمراريته القتالية وقدرته على الحفاظ على إيقاع الضربات.
وفي إحدى الموجات السابقة، أكد الحرس الثوري أن بعض الضربات نُفّذت دون تفعيل صفارات الإنذار في إسرائيل، في إشارة إلى ثغرات في منظومة الإنذار المبكر الإسرائيلية قد تستغلها الموجات القادمة. غير أن الموجة الـ78 اليوم جاءت مصحوبة بصفارات إنذار في الجليل الأعلى، مما يعني أن المنظومة الإسرائيلية رصدتها في الوقت المناسب هذه المرة.
استراتيجية الاستنزاف الممتد
يبدو جلياً للمراقبين العسكريين أن إيران تسير وفق استراتيجية استنزاف بعيدة المدى، تقوم على ثلاثة محاور: أولاً، الحفاظ على ضغط نفسي مستمر على الجبهة الداخلية الإسرائيلية عبر الإنذارات والضربات المتكررة. ثانياً، استنزاف منظومات الاعتراض الإسرائيلية والأمريكية الباهظة التكلفة باستخدام صواريخ ومسيّرات متنوعة وأقل كلفة نسبياً. ثالثاً، مواصلة الاستهداف بقوة أشد في كل مرحلة قادمة وفق ما أكده الحرس الثوري في بياناته الرسمية.
وتستند هذه الاستراتيجية إلى حسابات دقيقة مفادها أن كل صاروخ اعتراض إسرائيلي يُكلّف عشرات أضعاف تكلفة الصاروخ الإيراني المُعترَض، وأن هذه الفجوة الاقتصادية تعمل لصالح الجانب الإيراني كلما طال أمد الحرب.
خلاصة
الموجة الـ78 من “الوعد الصادق 4” تحمل رسالةً واحدةً واضحة: إيران لم تنكسر وهي ماضية في ردّها بلا توقف. وبينما تتسارع الأرقام وتتوالى الموجات، يجد العالم نفسه أمام حرب من نوع جديد، تُقاس فيها الإرادة قبل القدرة، ويُحسم فيها الصمود قبل النصر. والساحة نت ترصد كل تطور لحظة بلحظة، في حرب لا تعرف هدنة.