مسؤول أمريكي كشف لموقع أكسيوس أن إدارة ترامب لم تتلقَّ حتى اللحظة أي رسائل رسمية من إيران تُفيد برفض العرض التفاوضي الأمريكي، في وقت تتصاعد فيه الروايات المتضاربة بين واشنطن وطهران حول ما إذا كانت مفاوضات حقيقية جارية أصلاً. وجاء هذا التصريح في سياق دبلوماسي بالغ التعقيد، تتنافس فيه ثلاث روايات متوازية: واشنطن تتحدث عن تقدم، وطهران تنفي أي تفاوض، فيما تُشير وسائل إعلام إيرانية إلى أن طهران رفضت الخطة الأمريكية المكونة من 15 نقطة ووصفتها بالمناورة. وتمتد الوساطة الدولية في هذه اللحظة الحرجة لتشمل مصر وتركيا وباكستان وقطر التي تتناوب على نقل الرسائل بين الجانبين، في غياب أي قناة مباشرة بين واشنطن وطهران. ويُدير ترامب هذه المرحلة الحساسة بنهجه المعتاد القائم على التلويح بالعصا ومدّ يد الصفقة في آنٍ واحد، وقد علّق ضرباته على محطات الطاقة الإيرانية مؤقتاً “بناءً على جريان مفاوضات”، مانحاً طهران حتى نهاية هذا الأسبوع للرد. وتبقى الخلاصة أن أخطر نافذة دبلوماسية منذ اندلاع الحرب تتشكّل الآن، وقد تُفضي إما إلى وقف إطلاق النار وإما إلى تصعيد لم تشهده المنطقة من قبل.
الخطة الأمريكية من 15 نقطة.. ما الذي تطلبه واشنطن؟
في قلب هذه الأزمة الدبلوماسية تقع الخطة الأمريكية التي سرّبتها واشنطن عبر الوسطاء إلى طهران مطلع هذا الأسبوع. وتتضمن هذه الخطة جملةً من المطالب الأمريكية التي يصفها المسؤولون في واشنطن بـ”الحد الأدنى غير القابل للتفاوض”، في مقدمتها: وقف برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني لمدة لا تقل عن خمس سنوات، وتصفير تخصيب اليورانيوم كلياً، وتفكيك منشآت نطنز وأصفهان وفردو النووية التي نالت من الضربات الإسرائيلية الأمريكية نصيباً وافراً، إلى جانب آليات رقابة دولية صارمة على أي أجهزة طرد مركزي متبقية.
وأبلغ المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف الرئيس ترامب بأن الإيرانيين أبدوا مرونة على عدد من النقاط، من بينها التخلي عن مخزونهم من اليورانيوم عالي التخصيب، غير أن مسؤولاً أمريكياً نبّه إلى أنه لم يتأكد بعد ما إذا كان من قدّم هذا التنازل يملك فعلاً الصلاحية لإلزام طهران به.
طهران بين الرفض المعلن والمرونة المحتملة
في المقابل، تتشابك الرسائل الإيرانية وتتناقض بصورة لافتة. فقد أعلنت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية أن طهران رفضت الخطة الأمريكية ووصفتها بـ”الخدعة” و”المناورة”، فيما أكد المتحدث باسم الحرس الثوري أن إيران لن تتفاوض “لا الآن ولا في المستقبل” مع واشنطن. وذهب أبعد من ذلك حين قال ساخراً: “هل وصل صراعكم الداخلي إلى حد التفاوض مع أنفسكم؟”
بيد أن تصريحاً صادراً عن وزارة الخارجية الإيرانية يكشف عن صورة أكثر تدرجاً: إذ أقرّ المتحدث إسماعيل بقائي بأن الوزارة “ترد على رسائل الدول الصديقة الوسيطة”، دون أن يُسمّيها مفاوضات. وتبقى هذه الفجوة بين الخطاب الرسمي الرافض والتواصل الفعلي عبر الوسطاء مفتوحةً على قراءات متعددة.
ترامب يُفاوض بالقنابل.. ونافذة باكستان
يدير ترامب هذا الملف بنهجه المعتاد الذي لخّصه أحد مستشاريه بعبارة صريحة: “ترامب يمد يداً مفتوحة للصفقة، والأخرى قبضة تنتظر أن تضربك في وجهك.” فبعد أن علّق تهديده بضرب محطات الطاقة الإيرانية، أعلن أن الحرب مستمرة تحت اسم “عملية الغضب الملحمي” (Epic Fury) دون أي تغيير في الأوامر الميدانية، مُشيراً إلى أن القوات الأمريكية المتوجهة إلى المنطقة ستواصل مسيرها بمن فيها وحدة مشاة البحرية وألوية من الفرقة 82 المحمولة جواً.
على صعيد القناة الدبلوماسية، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف استعداد بلاده لاستضافة قمة مباشرة بين الجانبين في إسلام آباد، وهو ما أعاد نشره ترامب على منصة Truth Social في إشارة دالة على اهتمامه بالمسار. وكان المخطط أن تعقد المحادثات بين المبعوثَين الأمريكيَّين ويتكوف وجاريد كوشنر من جهة، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف من جهة أخرى، باعتباره أرفع مسؤول إيراني قابل للتواصل في الوقت الراهن.
من يحكم إيران؟.. الفوضى في قمة الهرم
يُضيف إلى تعقيد المشهد التفاوضي غياب الوضوح حول من يمتلك فعلياً صلاحية اتخاذ القرار في طهران. فمنذ اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعلي لاريجاني الذي كان يُعدّ الرجل الثاني في الدولة، يسود الغموض على رأس الهرم الإيراني. وخلف خامنئي ابنه مجتبى، لكنه لا يزال في الظل مجهول الحال والموقع، وقد وصف وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث مجتبى بأنه “جُرح وربما شُوّه” في الغارة التي أودت بحياة والده.
ومن هنا، وصف مسؤول أمريكي الحكومة الإيرانية بأنها “في حالة فوضى وتعاني من صعوبة في التواصل مع نفسها”، في حين يرى المبعوث الأمريكي أن المفاوض الإيراني الذي يتحدث معه قد لا يملك في الواقع صلاحية إنجاز أي اتفاق، وهو ما جعل ويتكوف يصف وزير الخارجية عباس عراقجي بأنه “آلة فاكس” لا أكثر.
إسرائيل تراقب بعين قلقة
لا تبدو إسرائيل مرتاحة لمسار المفاوضات، رغم أن ترامب أطلعها على تفاصيل الخطة الأمريكية. فبينما تتوافق الخطة مع المطالب الإسرائيلية على الورق، يسود القلق في تل أبيب من سيناريو يقبل فيه ترامب بتسوية جزئية تُحقق بعض الأهداف وتُرجئ الباقي إلى مفاوضات لاحقة دون ضمانات واضحة. وأكد مسؤول إسرائيلي أن الجيش الإسرائيلي يُخطط لمواصلة الحرب أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع إضافية بصرف النظر عن مآل المحادثات، في إشارة إلى أن تل أبيب لا تزال مصرّة على إنجاز أهدافها العسكرية قبل أي وقف لإطلاق النار.
مضيق هرمز.. ورقة الضغط الكبرى
وسط كل هذا التجاذب، يشكّل مضيق هرمز ورقة ضغط إيرانية ذات ثقل اقتصادي استثنائي. وقد أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية تسهيل عبور السفن “غير المعادية” عبر المضيق، مستثنيةً السفن الأمريكية والإسرائيلية والدول المشاركة في الحرب. وكان ترامب قد طالب بفتح المضيق بالكامل وحدّد موعداً نهائياً انقضى الاثنين الماضي دون التزام إيراني، قبل أن يتراجع عن تهديد فوري ويمنح طهران مهلة حتى نهاية الأسبوع. وقد وصف ترامب ما قدّمته إيران بشأن هرمز بـ”الهدية الكبيرة” دون أن يُفصح عن تفاصيلها.
خلاصة
الساعات القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار الحرب أو السلام. فإذا صمدت نافذة باكستان وجلس الطرفان على طاولة مفاوضات حقيقية، فستكون الأزمة قد وجدت مخرجاً دبلوماسياً نادراً. أما إذا أغلقت طهران الباب رسمياً أو انتهت المهلة دون تقدم، فإن ترامب سيجد نفسه أمام خيار مؤلم: إما استئناف الضربات على البنية التحتية الإيرانية، وإما القبول بتسوية ناقصة تُثير غضب إسرائيل وتُفسَّر كتراجع. الساحة نت تواصل المتابعة الدقيقة لكل تطور.