Table of Contents
في مشهد ميداني بالغ الدلالة، أعلن حزب الله اللبناني تنفيذ عملية نوعية موجعة في منطقة مشروع الطيبة بجنوب لبنان، استهدف خلالها بصواريخ موجهة ثلاث دبابات ميركافا إسرائيلية وجرافة عسكرية من طراز D9، فيما كانت قوة إسرائيلية تحاول سحب آلياتها المدمرة من المنطقة تحت غطاء ناري كثيف. وهي عملية تُضاف إلى سلسلة طويلة من الضربات المتتالية التي تكشف عن قدرة ميدانية متصاعدة للمقاومة في مواجهة التوغل البري الإسرائيلي في الجنوب اللبناني.
الطيبة.. ساحة المعارك المتكررة
منطقة مشروع الطيبة لم تكن بعيدة عن المواجهات منذ بدء العمليات البرية الإسرائيلية في السادس عشر من مارس 2026. وقد شهدت بيدر الفقعاني في بلدة الطيبة اشتباكات متكررة ومتصاعدة، حيث نجح مقاتلو حزب الله في نصب كمائن محكمة تكبّدت فيها القوات الإسرائيلية خسائر بشرية ومادية فادحة. وقد حاول الجيش الإسرائيلي مرات عدة التقدم في هذه المنطقة، وفي كل مرة اصطدم بصواريخ موجهة دقيقة أوقفت تقدمه وحوّلت آلياته إلى خردة محترقة.
العملية الأخيرة ليست منفصلة عن هذا السياق؛ بل هي حلقة في مسلسل طويل من التصدي الميداني. حزب الله أعلن استهداف ثلاث دبابات ميركافا بصواريخ موجهة غرب مشروع الطيبة، محققاً إصابات مباشرة لا تقبل الجدل. وفي التوقيت ذاته، أعلن استهداف جرافة D9 العسكرية الإسرائيلية، وهي جرافة مدرعة تُستخدم عادةً في تسوية الأرض وفتح الطرق العسكرية، مما يعني أن إسرائيل كانت تسعى إلى تطوير موطئ قدم بري في المنطقة قبل أن تتحول خططها إلى رماد.
القصة الكاملة للعملية
تكشف التفاصيل الميدانية عن مشهدٍ يعكس احترافاً واضحاً في تنفيذ هذه العمليات. فبعد تدمير الآليات الإسرائيلية في الضربة الأولى، سارعت قوة إسرائيلية إلى محاولة سحب الخسائر وإجلاء الآليات المدمرة وإخلاء المصابين، في إجراء تكتيكي معتاد يهدف إلى إخفاء حجم الأضرار. غير أن مقاتلي حزب الله رصدوا هذه الحركة وعاجلوا القوة الإسرائيلية بصواريخ جديدة أثناء محاولة السحب، في ضربة مزدوجة أفقدت العملية الإسرائيلية كامل هدفها.
هذا الأسلوب في الاشتباك يُظهر قدرة استخباراتية وميدانية عالية لدى حزب الله؛ إذ لم يكتفِ بتدمير الآليات في المرحلة الأولى، بل انتظر محاولة الإنقاذ ليوجّه ضربته الثانية في التوقيت الأمثل، وهو ما يُعمّق الأثر النفسي والعسكري للعملية على القوات الإسرائيلية في الميدان.
دبابة الميركافا.. رمز القوة الإسرائيلية في مرمى النار
دبابة الميركافا ليست مجرد آلية حرب؛ إنها رمز الفخر العسكري الإسرائيلي، وقد صُمِّمت خصيصاً لتكون الأقوى والأكثر حماية في المنطقة. وصنعاء اسمها بالعبرية تعني “المركبة” أو “العربة الحربية”. وعلى مدار عقود، بنى الجيش الإسرائيلي جزءاً كبيراً من عقيدته العسكرية البرية على هذه الدبابة التي طوّرها جيلاً بعد جيل. استهدافها وتدميرها، لا سيما بصواريخ موجهة دقيقة في منطقة حدودية وعرة، يُشكّل صفعة نفسية وعسكرية ذات صدى واسع.
وقد سبق أن أقرّ الجيش الإسرائيلي بإصابة عدد من جنوده جراء استهداف دباباته في جنوب لبنان، وهو إقرار جاء شحيحاً مقارنة بحجم ما يُعلنه حزب الله. والفارق بين الروايتين يظل معلقاً في فضاء الحرب الإعلامية الدائرة بالتوازي مع المعارك الفعلية.
الجرافة D9.. سلاح الهندسة العسكرية في قبضة النار
أما جرافة الـD9، فهي ليست مجرد آلة إنشاء. إنها جرافة مدرعة ضخمة تستخدمها القوات الإسرائيلية لمهام الهندسة القتالية؛ من هدم المباني إلى تسوية الأراضي وفتح ممرات للمشاة والمركبات وسط الميادين الحضرية والحدودية. وجودها في منطقة مشروع الطيبة يعني أن الجيش الإسرائيلي كان يعتزم تطوير الموقع وتحضير بنية تكتيكية فيه. وتدمير هذه الجرافة يعني تعطيل هذه الخطة من جذورها.
وقد سبق أن أعلن حزب الله استهداف جرافات D9 في مناطق عدة من جنوب لبنان، في إشارة إلى أن هذه الآلية باتت هدفاً استراتيجياً واضحاً ضمن منظومة الاشتباك.
المشهد الأشمل.. حرب متصاعدة لا تعرف هدنة
هذه العملية تندرج في إطار حرب مفتوحة اندلعت بصورتها الشاملة مطلع مارس 2026، وخلّفت حتى الآن أكثر من ألف قتيل في لبنان ونزوحاً لما يقارب مليون شخص، أي ما يُعادل خمس سكان البلاد. وقد بدأت العمليات البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان في السادس عشر من مارس، في خضم صراع إقليمي أشمل يمتد من طهران إلى غزة وبيروت.
وفي حين يُعلن الجيش الإسرائيلي عن عمليات تطهير وتقدم ميداني، تواصل المقاومة اللبنانية إسقاط هذه الرواية ضربةً بضربة، مُثبتةً أن جنوب لبنان لن يستسلم بسهولة لأي توغل، وأن كل خطوة إلى الأمام تُكلّف الجيش الإسرائيلي ثمناً ميدانياً لا يستطيع تجاهله.
الطيبة اليوم ليست مجرد بلدة حدودية. إنها رسالة مكتوبة بنيران الصواريخ الموجهة، مفادها أن المقاومة لا تزال حاضرة بكامل قوتها وعقيدتها القتالية.