حزب الله اللبناني يُجدد نفيه للمرة الثالثة على التوالي الاتهاماتِ الصادرة عن وزارة الداخلية الكويتية، مُصرًّا على أنه لا وجود له داخل الأراضي الكويتية بأي شكل من الأشكال، في موقف يتعارض تعارضاً صريحاً مع الإعلان الكويتي عن ضبط خلية إرهابية تنتمي إلى الحزب تضم ستة عشر شخصاً. وتتصاعد حدة هذا التوتر الدبلوماسي وسط انقسام لبناني داخلي لافت، إذ بادرت وزارة الخارجية اللبنانية إلى إدانة المخطط الإرهابي والتبرؤ من الحزب، في موقف يعكس حجم الحرج الذي باتت تُشكّله أنشطة حزب الله على الدبلوماسية اللبنانية في دول الخليج. وجاء هذا التطور في سياق قرار الحكومة اللبنانية الصادر في الثاني من مارس 2026 بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله على أراضيها، وهو قرار تاريخي يُعبّر عن تحول جوهري في الموقف الرسمي للدولة اللبنانية تجاه الحزب. ويأتي هذا التوتر في توقيت بالغ الحساسية، إذ يخوض حزب الله حرباً على جبهة الشمال الإسرائيلي بالتزامن مع توسّع دائرة الملفات الأمنية التي تربط اسمه بدول الخليج. وتبقى خلاصة المشهد أن الكويت تملك شواهد أمنية ملموسة ومعتقلين بالأسماء، في حين يملك حزب الله نفياً صريحاً لا أدلة موثقة تدعمه.
الكويت تكشف الخلية.. 16 موقوفاً والأدلة في اليد
في التاسع عشر من مارس الجاري، وقف المتحدث باسم وزارة الداخلية الكويتية العميد ناصر بوصليب أمام الصحفيين مُعلناً تفاصيل عملية أمنية وصفها بأنها نتاج عمليات رصد ومتابعة دقيقة ومكثفة، أسفرت في نهايتها عن كشف وضبط جماعة إرهابية تنتمي إلى ما وصفه بـ”منظمة حزب الله الإرهابي المحظور”.
وكشفت التحريات الأمنية الكويتية عن مخطط تخريبي منظم تقف وراءه عناصر هذه الجماعة، تضم في صفوفها أربعة عشر مواطناً كويتياً واثنين يحملان الجنسية اللبنانية. وأوضح بوصليب أن الموقوفين كانوا يسعون إلى المساس بسيادة الكويت وزعزعة استقرارها، والعمل على نشر الفوضى والإخلال بالنظام العام، إضافة إلى تجنيد أشخاص جدد للانضمام إلى التنظيم.
وتجدر الإشارة إلى أن الكويت سبق أن تعاملت مع ملف حزب الله بجدية في السنوات الماضية، وصنّفت الحزب منظمةً إرهابية محظورة، كما استدعت سفيرها من بيروت في أوقات التوتر، مما يجعل الإعلان الأخير استمراراً لمسار أمني متراكم وليس حدثاً مفاجئاً.
حزب الله: افتراءات باطلة للمرة الثالثة
لم يتأخر الرد اللبناني، إذ أصدر حزب الله بياناً شديد اللهجة رفض فيه جميع الاتهامات الكويتية من ألفها إلى يائها. وأكد الحزب أنه لا وجود لأي خلايا أو أفراد أو تشكيلات تتبعه داخل الأراضي الكويتية، واصفاً الاتهامات الكويتية بأنها “محض افتراءات باطلة مرفوضة جملة وتفصيلاً” لا أساس لها من الصحة.
وأعرب الحزب في البيان عن استغرابه من “إقحام اسمه في ملفات داخلية كويتية”، معتبراً أن هذه الحملة تستهدف النيل من مصداقيته والترابط الإقليمي للمقاومة. وأصرّ على أن سياسته تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مُجدداً حرصه الثابت على أمن الكويت واستقرارها وعلى أفضل العلاقات بين لبنان والكويت حكومةً وشعباً.
ويلفت المراقبون إلى أن هذا النفي يأتي في مرحلة ثالثة، مما يعني أن الكويت أعلنت اتهاماتها ثلاث مرات على الأقل، وفي كل مرة جاء الرد ذاته: النفي القاطع والوصف بالافتراء، دون تقديم أي دليل مضاد أو طلب تحقيق مشترك.
بيروت تدين.. والانقسام اللبناني يتعمق
ما يجعل هذه القضية استثنائية ليس الخلاف الكويتي-اللبناني في حد ذاته، بل الصدع الداخلي اللبناني الذي كشفه. فقد بادرت وزارة الخارجية اللبنانية إلى إصدار بيان عبّرت فيه عن استنكارها الشديد للمخطط الإرهابي الذي استهدف سيادة الكويت وأمنها، وأدانت صراحةً ما وصفته بـ”ضلوع حزب الله” في هذا المخطط.
هذه الإدانة اللبنانية الرسمية لحزب الله تمثل تحولاً لافتاً في لغة الخطاب الرسمي لبيروت، التي درجت على التحفظ وعدم المواجهة المباشرة مع الحزب في السنوات الماضية. ويأتي هذا الموقف في سياق القرار التاريخي الذي أصدرته الحكومة اللبنانية في الثاني من مارس الجاري بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب على الأراضي اللبنانية، وهو قرار فرضته ضغوط دولية وإقليمية متصاعدة بعد توسّع الحزب في الحرب ضد إسرائيل.
الكويت وحزب الله.. تاريخ من التوتر
العلاقة بين الكويت وحزب الله لم تكن يوماً هادئة، بل تراكمت فيها جملة من المحطات التوترية الموثقة. ففي عام 2015، كشفت السلطات الكويتية عما أسمته “خلية حزب الله الكويتية”، وأدانت قضاؤها عدداً من الموقوفين بتهم تتعلق بالتجسس ومحاولة تفجير البنية التحتية. وفي عام 2021، رفضت الكويت السفير اللبناني وطالبت بمغادرته إثر تصريحات أدلى بها وزير لبناني انتقد فيها التدخل الخليجي في اليمن.
وتجد الكويت نفسها في موقع حساس بالنظر إلى وجود جالية شيعية كبيرة على أراضيها، يرى بعض أفرادها في حزب الله رمزاً للمقاومة، بينما تُصنّفه الدولة تنظيماً إرهابياً محظوراً. هذه المعادلة المركبة تجعل أي كشف أمني من هذا القبيل حدثاً داخلياً بالغ الحساسية، قبل أن يكون أزمة دبلوماسية إقليمية.
التوقيت.. ماذا يقول؟
يقع هذا الكشف الأمني الكويتي في توقيت بالغ الدلالة، إذ يتزامن مع مشاركة حزب الله الفعلية في الحرب على إسرائيل منذ الثاني من مارس، واستهدافه القواعد الأمريكية في المنطقة بحسب تصريحات الحرس الثوري الإيراني. وهو ما يمنح الكويت، التي تستضيف قواعد أمريكية كبرى كقاعدة عريفجان، دوافع أمنية إضافية تجعل من الحساسية تجاه أي نشاط لحزب الله على أراضيها أولويةً قصوى.
ويرى المحللون الأمنيون أن كشف الخلية في هذه المرحلة تحديداً لا يخلو من رسالة سياسية واضحة، مفادها أن دول الخليج لن تسمح بأن تتحول أراضيها إلى ساحة للنشاط الأمني لأطراف منخرطة في الحرب الإقليمية، وأن منظومة الأمن الخليجي تعمل بفاعلية حتى في خضم أعنف موجة توترات شهدتها المنطقة منذ عقود.
خلاصة
المواجهة بين الكويت وحزب الله تضع أمام المراقبين سؤالاً محورياً: من يمتلك الحقيقة؟ الكويت التي تملك موقوفين بالأسماء وتحريات موثقة وأدلة تقول إنها قاطعة؟ أم حزب الله الذي يرفع راية النفي للمرة الثالثة دون تقديم بديل أو إجراء تحقيق مشترك؟ في كل الأحوال، يبقى هذا الملف الأمني مفتوحاً بلا إجابة نهائية، في حين أن المشهد الإقليمي المشتعل يجعل من كل اتهام أمني بهذا الحجم قنبلةً دبلوماسية قابلة للانفجار في أي لحظة. الساحة نت تواصل متابعة التطورات.