مع ساعات الفجر الأولى من صباح يوم السبت، لم تكن سماء تل أبيب صافيةً كعادتها، بل كانت مشقوقةً بصفارات الإنذار وأصوات الانفجارات المتتالية، إذ أطلقت إيران موجةً صاروخية جديدة استهدفت مناطق واسعة في الأراضي المحتلة، مُكبّدةً مدينة ريشون ليتسيون جنوبي تل أبيب خسائر جسيمة، وسط تصعيد متواصل لا تلوح في أفقه نهاية قريبة.
فجر الصواريخ.. إيران تُطلق موجة جديدة
أعلن التلفزيون الإيراني الرسمي، فجراً وصباح يوم السبت، إطلاق موجة صاروخية جديدة موجّهة نحو الأراضي المحتلة، في تصعيد نوعي يكشف عن استمرار طهران في تنفيذ استراتيجية الردّ المتدرّج على الحرب التي تشنّها إسرائيل والولايات المتحدة منذ أواخر فبراير الماضي. وبالتزامن مع الإعلان الإيراني، أطلقت قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية تحذيرات مبكرة عاجلة، مُنبّهةً السكان في مناطق واسعة إلى ضرورة النزول فوراً إلى الملاجئ الواقية، إثر رصد الرادارات إطلاق صواريخ باليستية من الأراضي الإيرانية.
لم يكن هذا القصف اعتيادياً بأي مقياس، إذ كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن واحداً على الأقل من الصواريخ التي وصلت في هذه الدفعة كان مُجهَّزاً برأس حربي عنقودي، وهو نوع من الذخائر المصمّمة للتفجير على ارتفاعات منخفضة، تُطلق في لحظة واحدة عشرات الشظايا والرؤوس المتفجرة الصغيرة على نطاق جغرافي واسع، مما يجعلها أشدّ فتكاً وأوسع تأثيراً على البنية التحتية والتجمعات السكانية.
ريشون ليتسيون.. مدينة تحت النار
تحوّلت مدينة ريشون ليتسيون، ثالث أكبر مدن إسرائيل وإحدى الضواحي الكبرى جنوبي تل أبيب، إلى مشهد من الدمار والفوضى في أعقاب سقوط رأس صاروخي متفجر على مواقع متعددة فيها. وتحدّثت التقارير الأولية عن إصابات مباشرة طالت عدداً من المباني السكنية والتجارية، فيما تصاعدت أعمدة دخان كثيفة في الأفق، تكشف عن حجم الضربة التي لم تمرّ مرور الكرام.
وسارعت فرق الإنقاذ والإسعاف إلى الانتشار في مواقع متفرقة داخل المدينة، استجابةً لسيل من البلاغات الواردة عن إصابات بشرية وأضرار هيكلية ناجمة عن شظايا الرأس العنقودي. ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي تصريحات لافتة لرئيس بلدية ريشون ليتسيون، وصف فيها ما تعرّضت له مدينته بـ”الدمار الواسع في مواقع متعددة”، وهو وصف ينمّ عن جدية الضربة وعمق تأثيرها على النسيج الحضري للمدينة.
وأكد الجيش الإسرائيلي من جهته تلقيه بلاغات عن وقوع إصابات في وسط البلاد، غير أن المعلومات التفصيلية ظلت شحيحةً في الساعات الأولى، في ظل سياسة التعتيم الإعلامي المعهودة التي تفرضها الرقابة العسكرية على أي تغطية تتعلق بمواقع الاستهداف أو حجم الخسائر. بل ذهب الجيش إلى أبعد من ذلك حين جدّد تحذيره للمواطنين والصحفيين من نشر أو تداول أي صور أو مقاطع مصوّرة توثّق مواقع سقوط الصواريخ.
4099 مصاب.. الأرقام تتحدث عن حرب حقيقية
لا تحتاج وتيرة هذه الحرب إلى كثير من التفسير حين تتكلم الأرقام بنفسها. فقد أعلنت وزارة الصحة الإسرائيلية، في وقت سابق من يوم الجمعة، أن 150 شخصاً تلقّوا العلاج خلال أربع وعشرين ساعة فقط، منهم اثنان وُصفت إصاباتهما بـ”الخطيرة”. وبذلك ارتفع الإجمالي التراكمي للمصابين الإسرائيليين منذ اندلاع الحرب إلى 4099 شخصاً، لا يزال 80 منهم يتلقون العلاج في المستشفيات، من بينهم 20 حالة تُصنَّف بين الخطيرة والمتوسطة.
هذه الأرقام، رغم محاولة السلطات الإسرائيلية التقليل من وطأتها، تُرسم صورةً واضحة عن حرب حقيقية تنزّ جراحها يومياً، لا عن مجرد تبادل تهديدات أو قصف محدود النطاق.
حرب منذ الثامن والعشرين من فبراير
لفهم السياق الكامل لهذه الضربة، لا بدّ من العودة إلى الثامن والعشرين من فبراير الماضي، التاريخ الذي انطلقت فيه شرارة الحرب المباشرة حين شرعت إسرائيل والولايات المتحدة في تنفيذ ضربات منسّقة ضد إيران. وقد خلّفت تلك الحرب حتى الآن حصيلة بشرية ثقيلة على الجانب الإيراني، إذ سقط ما لا يقل عن 1332 شخصاً في الغارات، من بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي الذي لقي حتفه في غارة استهدفته مباشرة، فضلاً عن سقوط عدد كبير من المسؤولين الأمنيين والقادة العسكريين. كما تجاوز عدد الجرحى الإيرانيين حاجز الخمسة عشر ألفاً، في ظل دمار طال منظومات البنية التحتية الحيوية.
في المقابل، لم تجلس طهران مكتوفة الأيدي، بل اختارت الردّ الصاروخي والمسيّراتي وسيلةً للمواجهة، مستهدفةً أراضي إسرائيل في موجات متعاقبة. وقد أسفرت هذه الردود الإيرانية عن مقتل ما لا يقل عن عشرين شخصاً على الجانب الإسرائيلي، وإصابة ما يزيد على 4090 آخرين. غير أن النيران لم تتوقف عند هذا الحد، إذ طالت الضربات الإيرانية أيضاً مواقع تتواجد فيها قوات أمريكية، ما أسفر عن مقتل 13 جندياً أمريكياً وإصابة أكثر من مئتي آخرين، في تطور أضاف بُعداً أمريكياً مباشراً إلى هذا الصراع المتشعّب.
الذخيرة العنقودية.. تصعيد نوعي في أدوات الحرب
ما يستوقف المحللين العسكريين في هذه الجولة من القصف ليس حجمه فحسب، بل نوعيته. فاستخدام الصواريخ المجهّزة برؤوس عنقودية يُمثّل تصعيداً نوعياً في الأسلحة المستخدمة، لما تتميز به هذه الذخائر من قدرة على توزيع الأضرار على نطاق جغرافي أوسع مقارنة بالرؤوس الحربية التقليدية.
وكانت الذخائر العنقودية موضع جدل دولي واسع لسنوات، إذ تُصنّفها معاهدة أوسلو للذخائر العنقودية ضمن الأسلحة التي تتسبّب في معاناة غير مبرّرة للمدنيين، نظراً لانتشار رؤوس صغيرة كثيرة قد لا تنفجر فورياً، فتظلّ خطراً كامناً في محيطها لفترات طويلة بعد انتهاء المعارك.
مشهد الحرب.. إلى أين؟
تكشف الوتيرة المتصاعدة لهذه الحرب عن حالة من الانسداد الاستراتيجي التي تجد فيها كل الأطراف نفسها أمام خيارات محدودة. فإيران، رغم ما خسرته من قيادات ومنظومات دفاعية، تُصرّ على مواصلة ردّها الصاروخي الذي بات يُمثّل خطاً أحمر وجودياً في حساباتها. أما إسرائيل والولايات المتحدة، فتواجهان معادلة صعبة: كيف يمكن وقف الردود الإيرانية دون المضي في مسار تصعيدي يحمل مخاطر إقليمية أوسع.
في هذا المشهد المضطرب، تبقى المدن المدنية على الجانبين هي الخاسر الأكبر، فالمدنيون في ريشون ليتسيون الذين استيقظوا على دوي الانفجارات هذا الصباح، كما المدنيون الإيرانيون الذين يدفعون ثمن هذه الحرب يومياً، يُذكّرون الجميع بأن الحرب مهما تعقّدت أسبابها واتّسعت أهدافها، فإن ضحاياها الحقيقيين يبقون في الغالب من لم يختاروها.
خلاصة
صواريخ فجر السبت التي هزّت ريشون ليتسيون ليست مجرد خبر عسكري عابر، بل هي فصل جديد في حرب تُعيد تشكيل وجه المنطقة وتُربك كل الحسابات الإقليمية والدولية. وبينما تتواصل الموجات الصاروخية وتتصاعد الأرقام وتتكاثر الأنقاض، يبقى السؤال الجوهري معلّقاً في الهواء: من يملك مفتاح وقف هذه الحرب؟ ومتى؟