أعلنت وزارة الكهرباء العراقية اليوم استئناف الغاز الإيراني في تدفقه نحو المحطات الكهربائية العراقية بواقع 5 ملايين متر مكعب يومياً، في خطوة تُنعش منظومة الكهرباء العراقية التي عانت من نقص حاد في الإمدادات خلال الأسابيع الماضية. وأكد المتحدث الرسمي لوزارة الكهرباء العراقية أحمد موسى أن أزمة الطاقة في العراق شهدت تحسناً ملموساً، مع عودة تشغيل وحدات توليدية في محطات بسماية والمنصورية التي تأثرت بانقطاع إمدادات الغاز الإيراني إلى العراق 2026. ويتطلع المسؤولون إلى رفع معدلات الاعتماد العراقي على الغاز الإيراني تدريجياً، بما يضمن استقرار الشبكة قبل دخول موسم الصيف الذي يُشكّل تحدياً وجودياً لمنظومة الطاقة في البلاد.
أزمة تراكمت منذ ديسمبر 2025
لفهم دلالة هذا الاستئناف، لا بدّ من العودة إلى الثالث والعشرين من ديسمبر 2025، التاريخ الذي أوقفت فيه إيران إمدادات الغاز إلى العراق بالكامل، مما أسفر عن خسارة 4000 إلى 4500 ميغاواط من قدرة الشبكة الكهربائية لم يكن ذلك القطع الأول من نوعه، بل جاء في سياق نمط متكرر من الانقطاعات التي باتت تُقلق المخططين العراقيين وتُثير غضب المواطنين في كل مرة تنقطع فيها الكهرباء عن مناطقهم.
وكان من المتوقع أن يبدأ استئناف الضخ بـ5 ملايين متر مكعب يومياً، ثم يرتفع إلى 15 مليوناً، قبل أن يصل خلال 10 أيام إلى 20 مليوناً. وهو بالضبط ما يتحقق اليوم في مرحلته الأولى، إذ تُمثّل الـ5 ملايين متر مكعب نقطة انطلاق لمسار تصاعدي مأمول.
جولة جديدة في مسلسل الانقطاعات
لم يكن استئناف فبراير 2026 نهاية القصة، بل كان مجرد فصل قصير في مسلسل أطول. عادت الإمدادات الإيرانية في الخامس والعشرين من فبراير الماضي بمعدل 7 ملايين متر مكعب يومياً، إلا أن الفرحة لم تدم طويلاً. قاطعت إيران الغاز عن العراق مجدداً في مطلع مارس، بعد ثلاثة أيام فقط من الاستئناف الجزئي، مُلقيةً بالشبكة الكهربائية العراقية مرة أخرى في دوامة العجز والانقطاعات.
وتعددت أسباب هذه الانقطاعات المتكررة وتشابكت، من نزاعات الديون المتراكمة وضغوط العقوبات الأمريكية، إلى الحاجة الإيرانية الداخلية المتصاعدة للغاز في فصل الشتاء، مروراً بالتطورات الميدانية المتسارعة في المنطقة.
ضربة جنوب پارس.. الصدمة الكبرى
جاءت الضربة الأشد وطأة في منتصف مارس الجاري، حين استهدفت غارات إسرائيلية حقل جنوب پارس الإيراني العملاق، أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم. يوفر حقل جنوب پارس نحو 80% من احتياجات إيران المحلية من الغاز الطبيعي، كما يُصدّر جزءاً منه إلى العراق، مما جعل الضربة حدثاً ذا تداعيات مباشرة على الجانبين الإيراني والعراقي في آنٍ واحد.
أعلن المتحدث باسم وزارة الكهرباء العراقية أن تدفقات الغاز الإيراني إلى العراق توقفت كلياً نتيجة تداعيات التطورات الإقليمية، في إشارة مباشرة إلى تأثير الضربة على قدرة إيران التصديرية. وقدّر خبير الطاقة روبن ميلز، الرئيس التنفيذي لشركة قمر للاستشارات، أن العراق كان سيخسر ستة غيغاواط من الطاقة عند الأحجام الإيرانية الكاملة، وهو رقم يكشف عن الثقل الحقيقي لهذا الاعتماد على مصدر واحد وهش.
5 ملايين متر مكعب.. ماذا تعني بالأرقام؟
العودة اليوم بمعدل 5 ملايين متر مكعب يومياً ليست الرقم المثالي، لكنها بداية ضرورية. لفهم حجمها الحقيقي، تكفي مقارنة واحدة: في ذروة الصيف، يستورد العراق 70 مليون متر مكعب من الغاز الإيراني يومياً لتغذية محطاته الكهربائية، مما يُولّد نحو 5000 ميغاواط. وبذلك، فإن الـ5 ملايين متر مكعب الحالية لا تمثل سوى نحو 7% من الحاجة الصيفية القصوى، مما يعني أن المسار لا يزال طويلاً أمام بغداد قبل أن تطمئن على جاهزية شبكتها للصيف القادم.
وينص الاتفاق بين بغداد وطهران على أن معدل الإمدادات في فصل الشتاء يتراوح بين 25 و35 مليون متر مكعب يومياً، في حين تصل في فصل الصيف إلى 55 مليوناً. غير أن الفجوة بين المتفق عليه والمُنجز فعلياً ظلت دائماً مصدر توتر بين البلدين.
محطات بسماية والمنصورية تعود للعمل
على الصعيد العملي، أعلنت وزارة الكهرباء العراقية إعادة تشغيل الوحدات التوليدية التي تأثرت بانقطاع إمدادات الغاز في محطتي بسماية والمنصورية، وهما من أكبر محطات التوليد في وسط العراق وأكثرها حساسيةً لأي نقص في إمدادات الغاز الإيراني. وتُمثّل عودة هاتين المحطتين للعمل بشرى مباشرة لسكان بغداد والمناطق الوسطى الذين عانوا من ساعات طويلة من الانقطاع.
هشاشة بنيوية أعمق من مجرد أنابيب
يكشف هذا المسلسل من الانقطاعات والاستئنافات المتكررة عن هشاشة بنيوية عميقة في منظومة الطاقة العراقية، تتجاوز مسألة الأنابيب والصيانة إلى إشكالية استراتيجية أشمل. تُغطي إيران 40% من احتياجات العراق الكهربائية بكلفة تبلغ 4 مليارات دولار سنوياً، وهو اعتماد يمنح طهران نفوذاً غير مباشر على الحياة اليومية للعراقيين، سواء استخدمته بوعي أم تحكّمت فيه الظروف الموضوعية.
طالما دعا المسؤولون الأمريكيون العراق إلى البحث عن موردين بديلين وتعزيز قدرته الإنتاجية المحلية، وهو مسار يسير العراق فيه ببطء شديد، بينما الضرورة تستدعي خطوات أسرع بكثير. تُحذّر التحليلات من أن العراق ما لم يُسرّع جهوده لتنويع مصادر الوقود وتوسيع إنتاجه من الغاز المحلي، فإن أزمات مماثلة ستتكرر، وستظل شبكته الكهربائية رهينة لتحولات لا يملك التحكم فيها.
نحو بغداد وطهران.. مفاوضات الصيف على الطاولة
أعلن المسؤولون العراقيون نيتهم السفر إلى طهران لبحث كميات الغاز المطلوبة للصيف المقبل.، في مؤشر على أن القناة الدبلوماسية بين البلدين لا تزال مفتوحة رغم التعقيدات الإقليمية المتشابكة. وتُمثّل هذه الزيارة المرتقبة فرصة لإرساء تفاهمات أكثر ثباتاً حول الكميات والتسعير وآليات الدفع، بعيداً عن منطق الأزمة والاستئناف المتكرر.
خلاصة
عودة الغاز الإيراني اليوم بـ5 ملايين متر مكعب هي أنباء جيدة للعراقيين الذين عانوا من الظلام والحر، لكنها في الوقت نفسه تذكير صارخ بأن بلداً يمتلك ثاني أكبر احتياطيات النفط في العالم لا يزال يقف أمام أزمة كهرباء متكررة كل صيف. المعادلة واضحة: إما أن تُبنى قدرة توليدية محلية حقيقية، وإما أن يظل العراق أسير خط أنابيب يُفتح ويُغلق وفق حسابات لا يملكها.