إطلاق 38 صاروخاً من لبنان باتجاه شمال إسرائيل رصدته القناة 12 الإسرائيلية في آخر هجوم نفّذه حزب الله، لتُدوّي صفارات الإنذار في مناطق واسعة من الجليل الأعلى والجليل الغربي، في مشهد بات يتكرر يومياً منذ أن قرر الحزب الانضمام رسمياً إلى الحرب في الثاني من مارس الجاري. وتُشكّل هذه الرشقة الصاروخية حلقة جديدة في سلسلة هجمات متواصلة تستهدف مدن الشمال الإسرائيلي بالتزامن مع الموجات الإيرانية المتعاقبة، في تنسيق ميداني يُعبّر عن استراتيجية مزدوجة المحاور تُربك المنظومة الدفاعية الإسرائيلية على جبهتين في آنٍ واحد. وقد أسفرت الهجمات اللبنانية المتواصلة حتى اليوم عن وقوع إصابات في صفوف المدنيين وأضرار في البنية التحتية لمدن الشمال، فيما تُفيد التقارير بأن نحو ستين صاروخاً أُطلق من لبنان منذ صباح اليوم الثلاثاء وحده. وتمتد نيران الجبهة الشمالية من كريات شمونة وكفار يوفال في أقصى الشمال إلى نهاريا وحيفا الساحليتين، في تصعيد يُنذر بأن الحرب على جبهة لبنان لا تزال في بداياتها.
حزب الله يدخل على خط الحرب
منذ الثاني من مارس الجاري، لم يعد حزب الله مجرد متفرج على الحرب الدائرة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. فبعد ساعات من اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربات الإسرائيلية الأمريكية في الثامن والعشرين من فبراير، أعلن الحزب انضمامه رسمياً إلى المعركة، مُطلقاً رشقات صاروخية وأسراباً من المسيّرات باتجاه شمال إسرائيل، واصفاً هجماته بأنها “انتقام لدم المرشد” وردٌّ على الاعتداءات المتواصلة على المدنيين في لبنان وفلسطين.
وجاء الدخول اللبناني رغم تحذيرات صريحة أطلقتها إسرائيل، وتوسّل الحكومة اللبنانية للحزب بعدم جرّ البلاد إلى حرب جديدة بعد أشهر قليلة من وقف إطلاق النار الذي أُبرم في نوفمبر 2024. غير أن حزب الله أصرّ على موقفه، مُعلناً أن صمته كان سيعني التخلي عن حليفه الاستراتيجي في أشد لحظاته.
38 صاروخاً في هجوم واحد.. الأرقام ترتفع
الثمانية والثلاثون صاروخاً التي رصدتها القناة 12 الإسرائيلية في هذا الهجوم ليست رقماً استثنائياً في سياق الأسابيع الثلاثة الماضية، بل هي جزء من تصعيد ممنهج. فمنذ صباح اليوم الثلاثاء وحده، رصد الجيش الإسرائيلي ما يزيد على ستين صاروخاً أُطلق من جنوب لبنان باتجاه المنطقة الشمالية، أكد المتحدثون العسكريون أن معظمها اعترضته منظومات الدفاع الجوي أو سقط في مناطق مفتوحة.
وفي ذروة التصعيد التي شهدها يوم الحادي عشر من مارس، أطلق حزب الله ما يزيد على مئتي صاروخ في رشقة واحدة باتجاه شمال إسرائيل، في واحدة من أضخم الرشقات الصاروخية التي شهدتها جبهة الشمال منذ الحرب الأولى. وقد تعامل مع بعضها نظام القبة الحديدية، فيما اخترق عدد منها شبكة الدفاع وأحدث دماراً مباشراً في مبانٍ سكنية.
كريات شمونة.. مدينة لا تنام
تقع مدينة كريات شمونة في أقصى شمال إسرائيل على مقربة من الحدود اللبنانية، وهي المدينة الأكثر تضرراً في هذه الحرب على الجبهة الشمالية. عادت سكانها إلى منازلهم في ربيع 2025 بعد ثمانية عشر شهراً من الإخلاء القسري الذي فرضته صواريخ حزب الله في الحرب السابقة، ليجدوا أنفسهم مجدداً في قلب المعركة.
وقد طالت الضربات اللبنانية مناطق متعددة في المدينة خلال الأيام الأخيرة، وأفادت وحدات الإسعاف الإسرائيلية بمعالجة مصابين في كريات شمونة وكفار يوفال وهضبة الجولان جراء الشظايا الصاروخية. وعلى الرغم من الخطر الداهم، أعلن كثير من سكان الشمال تمسكهم بمنازلهم رافضين الإخلاء، في موقف يُجسّد المزاج الشعبي الذي يرفض مغادرة المنطقة للمرة الثانية.
الجليل الأعلى والجليل الغربي.. صفارات لا تهدأ
امتدت رشقة الـ38 صاروخاً اليوم لتُدوّي صفاراتها في مناطق واسعة تشمل الجليل الأعلى والجليل الغربي، وهي مناطق تمتد من الحدود اللبنانية جنوباً حتى تحاذي خليج حيفا. وأكدت قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية رصد إطلاق الصواريخ وتفعيل الإنذار المبكر في وقت مناسب، مُحذّرةً السكان من التجوال خارج نطاق الملاجئ الواقية.
وإلى جانب الصواريخ، وظّف حزب الله المسيّرات الهجومية سلاحاً موازياً، إذ دوّت تحذيرات من تسلّل مسيّرات في منطقتي متولا ومرجليوت على الحدود اللبنانية، في هجمات مزدوجة تُصعّب على المنظومات الدفاعية التعامل معها في وقت واحد.
إسرائيل تردّ.. بيروت والضاحية تحت القصف
لم تصمت إسرائيل على هذه الهجمات، بل ردّت بموجات من الغارات الجوية على جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية التي تُعدّ معقل حزب الله الرئيسي. وأعلن الجيش الإسرائيلي توجيه ضربات لمقرات حزب الله في بيروت، شملت مقر الأمن المركزي ومقر وحدة الرضوان النخبوية وإدارة الاستخبارات في الحزب.
وفي تطور لافت، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إسرائيل ستُبقي على سيطرتها العسكرية في جنوب لبنان حتى نهر الليطاني حتى تُضمن إزالة التهديد الكامل الذي يُشكّله الحزب، مشيراً إلى أن جميع الجسور الخمسة التي يستخدمها حزب الله فوق الليطاني قد نُسفت.
مليون نازح في لبنان.. المدنيون يدفعون الثمن
بينما تتبادل إسرائيل وحزب الله الضربات، يجد المدنيون اللبنانيون أنفسهم في مواجهة كارثة إنسانية متصاعدة. فمنذ انضمام الحزب إلى الحرب في الثاني من مارس، نزح أكثر من مليون شخص من مناطق جنوب لبنان والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية، تاركين منازلهم تحت وطأة القصف المتواصل.
ويُشير رؤساء البلديات في جنوب لبنان إلى ضغوط إسرائيلية مباشرة لإخلاء القرى الحدودية بشكل كامل، وهو ما يُعيد إلى الأذهان سيناريو إخلاء المناطق الحدودية الذي شهدته الحروب السابقة، لكن بأبعاد أوسع وأسرع بكثير.
تصعيد منسّق.. إيران وحزب الله وجهٌ لعملة واحدة
يكشف التوقيت المتزامن لهجمات حزب الله مع الموجات الصاروخية الإيرانية عن تنسيق ميداني دقيق بين الطرفين. ففي كثير من الأحيان، يُطلق الحزب رشقاته الصاروخية من لبنان بالتزامن مع إعلان الحرس الثوري الإيراني عن موجة جديدة من عملية “الوعد الصادق 4″، في توزيع للأعباء يُجبر المنظومة الدفاعية الإسرائيلية على التعامل مع تهديدات متعددة المصادر في آنٍ واحد.
وفي هذا السياق، يرى المحللون العسكريون أن دخول حزب الله أضاف بُعداً جديداً للحرب يُعقّد الحسابات الإسرائيلية، إذ باتت إسرائيل تخوض حرباً على محورين متزامنين: محور إيران من الشرق ومحور حزب الله من الشمال، مع احتمالات التصعيد في الجنوب دائمة الحضور.
خلاصة
الثمانية والثلاثون صاروخاً التي أُطلقت اليوم من لبنان ليست مجرد أرقام إحصائية، بل هي وقود يُذكي حرباً تتسع دوائرها يوماً بعد يوم. وبينما تُقلّب إسرائيل حساباتها في مواجهة جبهتين مشتعلتين، ويُعيد سكان الشمال ترتيب حياتهم بين الملاجئ وصفارات الإنذار، يبقى السؤال معلقاً: إلى أي مدى يمكن للحرب أن تتوسع قبل أن يُجبر الجميع على البحث عن مخرج؟ الساحة نت تواصل رصد كل تطور لحظة بلحظة.