Table of Contents
في كواليس الحرب المشتعلة بين إسرائيل وإيران، وخلف ضجيج الصواريخ وأعمدة الدخان المتصاعدة، تتشكّل قرارات مصيرية تُحدد مسار هذا الصراع وتُرسم خلالها معالم المشهد القادم. فقد كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن تفصيل خطير ودقيق: رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أصدر أمراً لجيشه ببذل كل جهد ممكن لتدمير أكبر قدر من منشآت صناعة الأسلحة الإيرانية خلال 48 ساعة فحسب، وذلك فور اطلاعه على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف إطلاق النار مع طهران.
هذا القرار لا يُقرأ في فراغ. إنه يكشف عن قلق إسرائيلي عميق وحسابات استراتيجية بالغة التعقيد، ويُلقي الضوء على التوتر المتصاعد بين الحليفين الأمريكي والإسرائيلي حول توقيت إنهاء الحرب وشروط أي تسوية مقبلة.
السباق مع الوقت.. نتنياهو يُسابق ساعة الهدنة
بعد ست وعشرين يوماً من الحرب المتواصلة، وصل الصراع إلى منعطف حاسم. فمن جهة، يسعى ترامب إلى استثمار ما تحقق من إنجازات عسكرية للدفع نحو تسوية دبلوماسية تُنهي الحرب وتمنع تمددها. ومن جهة أخرى، يرى نتنياهو في أي وقف محتمل لإطلاق النار فرصةً قد تضيع بلا رجعة لاستكمال ما بدأه، وهو تفكيك المنظومة العسكرية الإيرانية من جذورها.
وبحسب المسؤولين الإسرائيليين الذين نقلت عنهم الصحيفة الأمريكية، فإن الجيش الإسرائيلي شرع فوراً في تكثيف ضرباته على أكبر عدد ممكن من الأهداف الرئيسية في إيران، في سباق محموم مع ساعة الهدنة المجهولة التوقيت. والرسالة الضمنية من تل أبيب واضحة: نريد أن نُغيّر الواقع على الأرض قبل أن تُجمّد الدبلوماسية المشهد.
وقد أكد أحد كبار المسؤولين في مديرية عمليات الجيش الإسرائيلي أن الحرب حققت إنجازات استراتيجية بالغة الأهمية، غير أنه لم يتردد في القول إن إسرائيل لا تزال في “منتصف الطريق”، مشيراً إلى بقاء صناعات عسكرية ومنشآت إيرانية لم تُضرب بعد وتسعى تل أبيب لاستهدافها.
ماذا دمّرت إسرائيل حتى الآن؟
على مدار ست وعشرين يوماً من الضربات المتواصلة، أعلن نتنياهو في مؤتمر صحفي أن إيران باتت عاجزة عن تخصيب اليورانيوم وإنتاج الصواريخ الباليستية، قائلاً بثقة: “نعمل على تدمير إمكانيات إيران في تصنيع الصواريخ واليورانيوم، ونحن ننجح في ذلك”. وقد أعلن الجيش الإسرائيلي كذلك تدمير معظم منصات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية أو تعطيلها.
غير أن المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم يُقرّون بأن هذه الإنجازات، رغم ضخامتها، لم تُوصل إسرائيل بعد إلى هدفها الاستراتيجي الأقصى. إيران لا تزال تُطلق صواريخها نحو الأراضي الإسرائيلية، وآخر تلك الضربات طالت وسط إسرائيل مخلّفةً إصابات بشرية، في دليل على أن طهران لم تُنهك قدراتها كلياً رغم حجم ما تعرضت له.
التوتر الصامت بين واشنطن وتل أبيب
ما كشفته نيويورك تايمز يُعرّي توتراً لافتاً يسري تحت سطح التحالف الأمريكي الإسرائيلي. فبينما يُبدي ترامب تفاؤلاً علنياً بقرب التوصل إلى اتفاق مع طهران، تُفيد المصادر الإسرائيلية بأن تل أبيب تساورها مخاوف جدية من أن يُعلن ترامب وقفاً للنار لمدة شهر تمهيداً للتفاوض. وهو احتمال تعتبره إسرائيل مبكراً وغير كافٍ لتحقيق أهداف الحرب كاملةً.
ومعضلة نتنياهو في هذا المنعطف بالغة الدقة. فهو من جهة يحتاج الغطاء الأمريكي لمواصلة الحرب ومن دونه لا يستطيع الاستمرار. ومن جهة أخرى يرى أن أي تسوية الآن قبل استكمال تدمير المنظومة الصناعية العسكرية الإيرانية ستُبقي على تهديد استراتيجي حقيقي قادر على التعافي والعودة في غضون سنوات. ولهذا يُصعّد نتنياهو الآن بكل ما أوتي من قوة في هذه النافذة الزمنية الضيقة.
ترامب يُفاجئ الجميع بالتفاؤل
في المقابل، لم يخفِ ترامب تفاؤله بإمكانية إنهاء الحرب عبر الدبلوماسية. وقد نقل موقع أكسيوس أنه متفائل بشأن فرص التفاوض، فيما أفادت تقارير بأن دولاً من بينها باكستان ومصر وعُمان وتركيا تضطلع بأدوار قنوات خلفية للتوسط بين واشنطن وطهران. وقد تحدث نتنياهو علناً عن مكالمة أجراها مع ترامب، قائلاً إن الرئيس الأمريكي “يؤمن بأن ثمة فرصة للاستفادة من الإنجازات الهائلة التي تحققت لتحقيق أهداف الحرب عبر اتفاق يصون مصالحنا الحيوية”.
لكن إيران نفت قطعياً وجود أي مفاوضات، ووصف المتحدث العسكري الإيراني محاولات واشنطن التفاوضية بأنها “تفاوض مع النفس”، في إشارة ساخرة تعكس أن طهران لا تزال ترفض الجلوس على طاولة تبدو لها في موضع الهزيمة.
82nd Airborne تتحرك.. الحرب لم تنتهِ
رغم كل حديث التفاؤل الدبلوماسي، تبقى الوقائع على الأرض تُخبر قصة مختلفة. فقد كشفت مصادر لشبكة CNN أن نحو ألف جندي أمريكي من فرقة المظليين الثمانين والثمانين “82nd Airborne” في طريقهم للانتشار في منطقة الشرق الأوسط خلال الأيام المقبلة، في دليل على أن إدارة ترامب تُبقي خياراتها العسكرية مفتوحة حتى وهي تتحدث عن السلام.
هذا التناقض الظاهري بين الخطاب الدبلوماسي والتعزيزات العسكرية يُلخّص جوهر اللحظة الراهنة: حرب تبحث عن مخرج دبلوماسي، لكنها لا تزال تتقدم بخطى ثقيلة على الأرض. ونتنياهو في قلب هذه المعادلة يُراهن على أن 48 ساعة قد تكفي لإعادة رسم الخارطة العسكرية لإيران قبل أن تُجمّد أي هدنة الأوضاع عند حدودها الراهنة.
الساعات الثماني والأربعون هذه قد تكون الأثقل في مسار هذه الحرب بأكملها.