الشرق الاوسط

قاليباف يفجرها من طهران: واشنطن فشلت في كسب ثقتنا بمفاوضات باكستان والمبادرات الإيرانية قوبلت بعجز أمريكي عن حسم السلام

قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإيراني والرجل الذي قاد وفد بلاده في مفاوضات إسلام آباد التاريخية، أطلق تصريحات حاسمة عقب عودته، مؤكداً أن الولايات المتحدة الأمريكية أخفقت تماماً في كسب ثقة الجانب الإيراني خلال جولات التفاوض الماراثونية. وأوضح قاليباف أن المحادثات التي جرت في باكستان، ورغم الزخم الدولي الذي حظيت به، لم تثمر عن اتفاق نهائي يضع حداً للحرب المستعرة في الشرق الأوسط، محملاً الإدارة الأمريكية مسؤولية العجز عن التجاوب مع “المبادرات البنّاءة” التي طرحها الوفد الإيراني خلف الأبواب المغلقة. هذه التصريحات تأتي لتعمق الهوة الدبلوماسية وتكشف عن حجم “أزمة الثقة” التي لا تزال تهيمن على العلاقة بين واشنطن وطهران، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي دخل يومه الخامس.

أزمة الثقة: العائق التاريخي في مفاوضات باكستان

يرى المحللون العسكريون والسياسيون في “الساحة نت” أن تصريح قاليباف حول “فشل واشنطن في كسب الثقة” يضرب في عمق الإشكالية الاستراتيجية بين البلدين. فإيران، التي خاضت جولات تفاوضية سابقة وخرجت منها باتفاقيات منقوضة (مثل الاتفاق النووي في عهد أوباما)، تنظر بعين الريبة لكل عرض أمريكي جديد. قاليباف، بصفته شخصية برغماتية عسكرية وسياسية، أشار إلى أن واشنطن جاءت لمفاوضات إسلام آباد بعقلية “فرض الشروط” وليس “بناء الثقة”، وهو ما أدى لانسداد الأفق السياسي. إن الثقة بالنسبة لطهران ليست مجرد شعار، بل هي ضمانات ملموسة لرفع العقوبات ووقف الأعمال العدائية الإسرائيلية، وهو ما لم تستطع إدارة ترمب، عبر نائبها جيه دي فانس، تقديمه بشكل مقنع.

المبادرات الإيرانية “البنّاءة” مقابل “العجز” الأمريكي

كشف قاليباف في بيانه الرسمي أن الوفد الإيراني لم يذهب لإسلام آباد للاستماع فقط، بل طرح “مبادرات بنّاءة” كانت تهدف للوصول إلى تسوية شاملة تنهي الحرب في المنطقة. هذه المبادرات، وبحسب التسريبات، شملت رؤية إيرانية لترتيبات أمنية إقليمية، وملفات تتعلق بسيادة الدول، وتفاهمات تقنية حول البرنامج النووي السلمي. إلا أن “الطرف الآخر”، كما وصفه قاليباف، لم يكن قادراً على الحسم أو تقديم تنازلات موازية، مما يعكس وجود تضارب في مراكز القرار داخل واشنطن بين الرغبة في إنهاء الحرب وبين الضغوط الصهيونية المطالبة بمواصلة التصعيد. هذا العجز الأمريكي هو ما دفع الوفد الإيراني للتمسك بمواقفه، معتبراً أن أي اتفاق لا يحفظ كرامة وسيادة إيران هو اتفاق “ميت” قبل ولادته.

قاليباف والقيادة: وحدة الموقف الإيراني

قيادة قاليباف للوفد الإيراني تحمل رسالة قوية للمجتمع الدولي؛ فهو لا يمثل الحكومة فحسب، بل يمثل البرلمان والسيادة الشعبية والعمق العسكري. تصريحاته بعد ساعات من انتهاء المحادثات تعكس وحدة الموقف داخل مراكز القوى الإيرانية (المرشد، البرلمان، والحرس الثوري). ويرى مراقبون أن اختيار قاليباف لهذه المهمة كان يهدف لإرسال مفاوض “صعب المراس” لا يقبل بأقل من الندّية الكاملة. وبناءً على ذلك، فإن قوله بأن واشنطن لم تكتسب الثقة هو إعلان رسمي بأن طهران ليست في عجلة من أمرها لتوقيع اتفاق “بأي ثمن”، وأنها مستعدة للعودة لخيارات القوة إذا ما استمرت الضغوط الأمريكية المفرطة.

انعكاس فشل المفاوضات على الحرب في الشرق الأوسط

إن عدم التوصل لاتفاق في باكستان يعني أن نيران الحرب في الشرق الأوسط ستظل مشتعلة. قاليباف ألمح بوضوح إلى أن الهدف النهائي كان “وضع حد نهائي للحرب”، وفشل واشنطن في هذا المسعى يترك الجبهات في لبنان وفلسطين عرضة لمزيد من الانفجارات الميدانية. إسرائيل، التي تراقب هذه المفاوضات بحذر، قد تجد في فشلها ذريعة لتوسيع غاراتها، معتقدة أن الغطاء الأمريكي سيظل قائماً. وفي المقابل، فإن حلفاء إيران في المنطقة يرون في صلابة موقف وفد طهران دافعاً للاستمرار في عملياتهم الصاروخية لرفع كلفة الاحتلال، مما يحول المنطقة إلى ساحة استنزاف كبرى يدفع ثمنها الجميع نتيجة غياب الرؤية الأمريكية المتوازنة.

السيناريوهات القادمة: هل سقط الخيار الدبلوماسي؟

تصريحات قاليباف تضع الدبلوماسية الدولية في مأزق؛ فإذا كان مفاوض بحجم قاليباف يعلن فقدان الثقة، فمن يستطيع إعادتها؟ هناك سيناريوهان يلوحان في الأفق: الأول هو عودة واشنطن لتقديم عروض أكثر واقعية بعيداً عن “الإملاءات النووية” المسبقة التي يرفضها المرشد، والثاني هو انهيار اتفاق وقف إطلاق النار والعودة لمرحلة “حرب إيران مباشر” التي شهدتها الأسابيع الماضية. إيران أثبتت في جولة إسلام آباد أنها تمتلك “النفس الطويل” وأنها قادرة على التفاوض تحت النار، لكنها لن تمنح واشنطن نصراً دبلوماسياً مجانياً يستخدمه ترمب في حملاته السياسية الداخلية دون مقابل حقيقي على أرض الواقع.

خلاصة “الساحة نت”: الحقيقة المرة خلف أبواب إسلام آباد

في الختام، يظل موقف قاليباف هو القول الفصل في تقييم جولة باكستان. إن الثقة هي العملة النادرة في سوق الدبلوماسية اليوم، وواشنطن بمطالبها “المفرطة” قد أفلست في كسبها من طهران. نحن في “الساحة نت” نرى أن الأيام القادمة ستشهد تحركات ميدانية تهدف لفرض شروط جديدة على طاولة المفاوضات، فالميدان في الشرق الأوسط دائماً ما يصحح مسارات السياسة المتعثرة. سنبقى معكم في قلب الحدث، نرصد أصداء تصريحات قاليباف ونحلل تداعيات الفشل الدبلوماسي على أمن واستقرار المنطقة برمتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى