الكاتب: فريق تحرير الساحة نت
المصدر: موقع اخبار السودان
بيع آثار سودانية منهوبة في الأسواق السوداء العالمية لم يعد مجرد شائعات تتداولها الأوساط الثقافية، بل أصبح حقيقة موثقة وفضيحة دولية كبرى تضاف إلى سجل المآسي التي تعصف بالبلاد. في تطور خطير يسلط الضوء على البعد الثقافي والحضاري للحرب الدائرة منذ ثلاثة أعوام، فجرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية قنبلة مدوية بنشرها تحقيقاً استقصائياً يكشف عن عمليات نهب ممنهجة وواسعة النطاق طالت المتاحف والمواقع الأثرية في السودان. التقرير وجه اتهامات مباشرة وصريحة لقوات الدعم السريع باستغلال حالة الفوضى الأمنية لاستهداف الذاكرة الوطنية، وتحويل الكنوز التاريخية التي لا تقدر بثمن إلى مجرد سلع تباع في السوق الدولي غير المشروع، وذلك بهدف رئيسي هو تأمين سيولة مالية لتمويل آلتها العسكرية وشراء الأسلحة. إن هذه الجريمة تتجاوز تدمير الحجر لتصل إلى محاولة محو هوية أمة بأكملها وتجريدها من إرثها الإنساني.
تفاصيل التقرير: 150 مليون دولار من الذاكرة المنهوبة كشف تقرير “وول ستريت جورنال”، المستند إلى شهادات مؤرخين بارزين وأمناء متاحف وخبراء دوليين في تتبع الآثار، عن أرقام صادمة تعكس حجم الكارثة. فقد قُدرت القيمة المالية المبدئية للآثار والقطع التاريخية التي تم نهبها وتهريبها بنحو 150 مليون دولار أمريكي. هذا الرقم، رغم ضخامته، لا يمثل سوى القيمة المادية التقديرية في أسواق التهريب، أما القيمة التاريخية والمعنوية فهي بلا شك تفوق ذلك بكثير ولا يمكن تعويضها بأي ثمن.
القطع المنهوبة ليست مجرد أحجار صماء، بل هي سجل تاريخي متكامل يوثق رحلة الإنسان في وادي النيل. وتشمل المسروقات مقتنيات نادرة تعود إلى العصر الحجري، مروراً بالحضارات النوبية العظيمة مثل مملكتي كرمة ونبتة، ووصولاً إلى عصر الممالك المسيحية وبدايات دخول الإسلام إلى السودان. من بين هذه المفقودات تماثيل فرعونية ونوبية، حلي ذهبية أثرية، مخطوطات نادرة، وفخاريات تحمل نقوشاً تروي قصص أجيال سادت وبادت، أصبحت الآن تُعرض للبيع السري في عواصم غربية وآسيوية بعيداً عن أعين المنظمات الدولية.
المتاحف الوطنية: من صروح للحضارة إلى ساحات للنهب منذ اندلاع شرارة الحرب قبل ثلاثة أعوام، تحولت العاصمة الخرطوم وغيرها من المدن الكبرى إلى ساحات قتال مفتوحة. وفي خضم هذه الفوضى، تعرض “متحف السودان القومي”، الذي يُعد أحد أهم وأكبر المتاحف في القارة الإفريقية، لحصار واقتحام متكرر. الخبراء يؤكدون أن عملية النهب لم تكن عشوائية أو مجرد عمليات تخريب جانبية (Collateral Damage)، بل كانت عمليات انتقائية ومدروسة. فقد تم استهداف قاعات العرض التي تحتوي على أثمن القطع الذهبية والتماثيل صغيرة الحجم التي يسهل إخفاؤها ونقلها.
ولم يقتصر الاستهداف على المتحف القومي في الخرطوم، بل امتدت يد التخريب لتطال متاحف إقليمية ومواقع أثرية مفتوحة في مناطق النيل، دارفور، وكردفان. قوات الدعم السريع، التي اتخذت من بعض هذه المواقع الثقافية ثكنات عسكرية ومراكز للقيادة، استغلت الحصانة التي يفرضها القانون الدولي على الأعيان الثقافية لتجنب القصف، وفي الوقت ذاته، اتخذت من محتوياتها غنائم حرب لتمويل استمراريتها في الصراع الدامي.
اقتصاد الحرب: الآثار كوقود للعمليات العسكرية إن بيع الآثار السودانية في السوق السوداء يسلط الضوء على الوجه المظلم لـ “اقتصاد الحرب”. فعندما تجف مصادر التمويل التقليدية وتشتد الرقابة على التحويلات المالية الدولية البنكية، تلجأ الجماعات المسلحة إلى طرق غير مشروعة للحصول على السيولة النقدية والعملات الصعبة. تجارة الآثار المنهوبة، أو ما يُعرف بـ “الآثار الدموية” (Blood Antiquities)، تُصنف عالمياً كثالث أضخم تجارة غير مشروعة بعد تجارة السلاح والمخدرات.
وتستخدم قوات الدعم السريع، وفقاً للمصادر الغربية، شبكات تهريب معقدة عابرة للحدود البرية المفتوحة مع دول الجوار. يتم نقل القطع الأثرية عبر وسطاء وسماسرة محترفين يقومون بتزوير وثائق منشأ لها، لتجد طريقها في النهاية إلى أيدي هواة جمع التحف الأثرياء والمزادات الخاصة في أوروبا، أمريكا الشمالية، ودول الخليج. الأموال الطائلة التي تُجنى من هذه الصفقات السوداء تُضخ مباشرة في آلة الحرب، لشراء الذخائر، ودفع رواتب المرتزقة، وتأمين الإمدادات اللوجستية، مما يعني أن تاريخ السودان يُباع اليوم لتمويل قتل أبنائه وتدمير مستقبله.
محو الهوية السودانية: الخسارة التي لا تُعوض بعيداً عن الأرقام ولغة الدولار، فإن الكارثة الحقيقية تكمن في البعد المعنوي والوطني لهذه الجريمة. السودان ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو مهد لواحدة من أقدم الحضارات البشرية. الحضارة المروية (مروي) وأهرامات البجراوية والآثار النوبية هي شواهد حية على إسهام العقل السوداني في مسيرة البشرية. نهب هذه الآثار وتهريبها خارج سياقها الجغرافي والتاريخي يمثل عملية قطع قسري لجذور الأجيال القادمة وحرمانهم من حقهم في معرفة ماضيهم والاعتزاز به.
المؤرخون السودانيون والأجانب يعيشون حالة من الصدمة والحداد الأكاديمي على هذا الفقدان. إن ضياع تمثال من حقبة كرمة أو مخطوطة من سلطنة سنار يعني وجود فجوة سوداء في كتاب التاريخ السوداني لا يمكن سدها. هؤلاء الخبراء يرون أن الهدف الخفي وراء تدمير المتاحف ونهبها قد يتجاوز المكسب المادي، ليصل إلى رغبة انتقامية في محو الذاكرة المؤسسية والوطنية للدولة السودانية، وتحويلها إلى أرض بلا تاريخ يسهل تفكيكها والسيطرة عليها.
الصمت الدولي وتحديات استرداد الآثار رغم خطورة ما كشفته “وول ستريت جورنال”، إلا أن الاستجابة الدولية لا تزال دون مستوى الحدث الكارثي. المنظمات الدولية المعنية بحماية التراث، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، أصدرت بيانات تنديد وقلق، إلا أن هذه البيانات تظل حبراً على ورق في ظل غياب آليات تنفيذية رادعة على الأرض.
عملية تتبع واسترداد الآثار المنهوبة هي عملية قانونية ودبلوماسية معقدة للغاية وتستغرق سنوات، بل وعقوداً في بعض الأحيان. يتطلب الأمر تدخلاً فاعلاً من الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، وتفعيل اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح. كما يستوجب على الحكومات الغربية ودول الجوار تشديد الرقابة على حدودها وموانئها ومعارضها الفنية، وتجريم التعامل في أي قطعة أثرية يثبت خروجها من السودان بعد عام 2023. السلطات السودانية الشرعية مطالبة أيضاً بتكثيف تواصلها مع الجهات الدولية لتقديم قوائم وجرد دقيق بالمسروقات لتسهيل عملية التعميم والضبط.
الخلاصة: تاريخ الأمة برسم البيع في المحصلة، إن ما كشفته الصحيفة الأمريكية ليس مجرد جريمة سرقة عادية، بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان وجريمة ضد الإنسانية تستهدف التراث العالمي. بيع الآثار السودانية المنهوبة لتمويل المليشيات يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي حقيقي؛ فإما التحرك الحاسم لوقف هذا النزيف الحضاري ومحاصرة شبكات التهريب، وإما الوقوف كشاهد زور على محو ذاكرة أمة عريقة. إن الشعب السوداني الذي يواجه ويلات الرصاص والجوع والنزوح، يستحق أن يُحفظ تاريخه من التبديد، فالحروب تنتهي مهما طالت، لكن التاريخ إذا ضاع لا يمكن استنساخه أو شراؤه من جديد.