الكاتب: فريق تحرير الساحة نت
المصدر: موقع اخبار السودان
البنك الدولي والسودان يدخلان مرحلة جديدة من المفاوضات الشاقة والمصيرية، حيث وضعت المؤسسة المالية الدولية شروطاً واضحة وصارمة قبل الإقدام على أي خطوة لاستئناف برامج الدعم والتمويل التي توقفت نتيجة الاضطرابات السياسية والأمنية الأخيرة. في قلب العاصمة الأمريكية واشنطن، وخلال اجتماعات الربيع السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كان الملف السوداني حاضراً بزخم كبير، حيث سعى الوفد السوداني برئاسة وزير الدولة بوزارة المالية محمد نور عبد الدائم، ومحافظ بنك السودان المركزي آمنة ميرغني، إلى كسر الجمود وفتح آفاق جديدة لإعادة دمج البلاد في المنظومة المالية الدولية. غير أن رد البنك الدولي كان صريحاً: الاستئناف رهين بتقييم شامل وعميق لوضع القطاعين الخاص والمصرفي، وهو شرط يعكس رغبة المؤسسات الدولية في ضمان وجود بنية تحتية مالية قادرة على إدارة المنح والقروض بعيداً عن مخاطر الانهيار أو الهدر.
القطاع الخاص السوداني: شريك البناء وتحديات الاستمرارية يمثل القطاع الخاص في السودان المحرك الأساسي لأي عملية تعافٍ اقتصادي مرتقبة، وهو ما تدركه المؤسسات الدولية جيداً. غير أن الحرب الدائرة قد وجهت ضربات قاصمة لهذا القطاع؛ حيث تعرضت المصانع، والشركات، والمشاريع الزراعية الكبرى لعمليات نهب وتدمير واسعة، مما أدى إلى توقف سلاسل الإمداد وهجرة رؤوس الأموال إلى الخارج. رهن البنك الدولي لاستئناف برامجه بتقييم القطاع الخاص يعني البحث عن ضمانات لاستعادة هذا القطاع لحيويته. البنك يريد التأكد من وجود بيئة قانونية وتشريعية تحمي الاستثمارات، وتضمن دوراً فاعلاً لرجال الأعمال والشركات الصغيرة والمتوسطة في مرحلة إعادة الإعمار. بدون قطاع خاص قوي ومنظم، ستظل المساعدات الدولية مجرد مسكنات مؤقتة لن تساهم في خلق تنمية مستدامة أو فرص عمل تساهم في استقرار الشباب السوداني.
القطاع المصرفي: ترميم الثقة في الشريان المالي للدولة أما الشرط الثاني، والمتمثل في تقييم القطاع المصرفي، فهو يمس العصب الحساس للاقتصاد. لقد شهد النظام المصرفي السوداني خلال فترة الحرب تحديات غير مسبوقة؛ من خروج المقرات الرئيسية للبنوك عن الخدمة في مناطق النزاع، إلى تدمير أنظمة البيانات الرقمية، وتراجع السيولة النقدية بشكل حاد. محافظ بنك السودان المركزي، آمنة ميرغني، قدمت خلال اجتماعات واشنطن إحاطة حول الجهود المبذولة لاستعادة عمل النظام المصرفي، وتفعيل التطبيقات البنكية التي أصبحت شريان الحياة الوحيد للمواطنين. ومع ذلك، يصر البنك الدولي على إجراء تقييم شامل للتأكد من قدرة البنوك على الوفاء بالتزاماتها، ومدى توافقها مع المعايير الدولية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وسلامة مراكزها المالية. إن إعادة تأهيل البنوك السودانية وربطها بالشبكة المالية العالمية هو المفتاح الحقيقي لتدفق الاستثمارات الأجنبية وتسهيل عمليات التجارة الخارجية.
اجتماعات الربيع في واشنطن: السودان في قلب التوازنات الدولية تكتسب مشاركة السودان في اجتماعات الربيع أهمية استثنائية هذا العام. فالوفد السوداني لا يحمل معه تقارير فنية فحسب، بل يحمل صرخة استغاثة لاقتصاد يواجه خطر الانهيار الشامل. المباحثات التي أجراها وزير الدولة محمد نور عبد الدائم مع خبراء البنك الدولي ركزت على إقناع المجتمع الدولي بأن السودان قد أوفى بمتطلبات فنية سابقة، وأن استمرار توقف البرامج يزيد من معاناة المدنيين. وفي المقابل، يرى خبراء البنك وصندوق النقد أن “الاستقرار السياسي” هو المظلة التي يجب أن تنضوي تحتها كل هذه الإصلاحات. المجتمع الدولي يراقب بدقة مدى التزام السلطات في السودان بمسار يضمن الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد المالية، وهو ما يفسر اشتراط التقييم الشامل للقطاعات الحيوية قبل ضخ أي سيولة جديدة في شرايين الاقتصاد السوداني.
وزارة المالية ومعركة البناء والتعمير تقود وزارة المالية السودانية جهوداً مضنية لتأمين التمويل اللازم لمرحلة ما بعد الحرب، والتي تُعرف بمرحلة “البناء والتعمير”. وزير الدولة بالمالية شدد في لقاءاته على أن السودان يحتاج إلى “تمويل استثنائي” لا يخضع للقيود التقليدية، نظراً لحجم الدمار الذي طال البنية التحتية. الحكومة السودانية تطمح للحصول على منح وقروض ميسرة من المؤسسة الدولية للتنمية (IDA) التابعة للبنك الدولي، وهي مخصصة للدول الأكثر فقراً وتضرراً من النزاعات. غير أن الوصول إلى هذه الصناديق يتطلب إنهاء حالة الجمود الحالية وتقديم “خطة تعافٍ” مقنعة وشاملة، تعتمد على نتائج التقييم الذي اشترطه البنك الدولي للقطاعين الخاص والمصرفي. إنها معركة دبلوماسية اقتصادية يخوضها السودان لإثبات أهليته للعودة إلى المجتمع المالي الدولي.
تداعيات الشروط الدولية على معاش المواطن المواطن السوداني البسيط هو المتأثر الأول والمباشر بهذه المفاوضات. فاستئناف برامج البنك الدولي يعني توفر العملة الصعبة، واستقرار سعر الصرف، وانخفاض معدلات التضخم التي بلغت أرقاماً فلكية. كما يعني استئناف مشاريع التنمية في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، التي توقفت كلياً في كثير من الولايات. شرط البنك الدولي بتقييم القطاع المصرفي يهدف أيضاً إلى حماية مدخرات المواطنين وضمان وصول التحويلات المالية من المغتربين بشكل آمن ومنتظم. لذلك، فإن الاستجابة لشروط البنك الدولي ليست مجرد انصياع لإملاءات خارجية، بل هي ضرورة وطنية قصوى لتأمين “معاش الناس” وضمان استقرارهم المعيشي في ظل الظروف القاسية التي فرضتها الحرب.
دور البنك المركزي في الرقابة والتحول الرقمي بنك السودان المركزي، تحت قيادة آمنة ميرغني، يواجه تحدي التحول من إدارة الأزمات إلى مرحلة الرقابة والتطوير. التقييم الذي يطلبه البنك الدولي سيسلط الضوء على نقاط الضعف في النظام المصرفي، مما يمثل فرصة لإجراء إصلاحات هيكلية جذرية. التحول الرقمي والشمول المالي هما الركيزتان اللتان يمكن للسودان من خلالهما إقناع البنك الدولي بجديته. فاعتماد أنظمة دفع إلكترونية متطورة وشفافة يقلل من فرص الفساد ويزيد من كفاءة الدورة المالية. البنك المركزي مطالب الآن بوضع خارطة طريق زمنية واضحة للاستجابة لملاحظات البنك الدولي، وتسهيل عمل لجان التقييم الدولية للوصول إلى بيانات دقيقة تعكس الواقع الفعلي للمصارف السودانية.
الخلاصة: الطريق نحو التعافي الاقتصادي في الختام، تظل شروط البنك الدولي لاستئناف برامجه في السودان بمثابة “مرآة” تعكس حجم التحديات التي تواجه البلاد. إن رهن الدعم بتقييم القطاعين الخاص والمصرفي هو دعوة صريحة للإصلاح قبل التمويل. السودان اليوم أمام فرصة تاريخية لاستغلال هذه الضغوط الدولية في بناء نظام مالي واقتصادي قوي وشفاف وقادر على الصمود أمام الأزمات. إن نجاح الوفد السوداني في واشنطن في تحويل هذه الشروط إلى “خطة عمل” قابلة للتنفيذ سيمهد الطريق أمام تدفق المليارات اللازمة لإعادة الإعمار. الرحلة طويلة وصعبة، لكنها المسار الوحيد الممكن لإنقاذ الاقتصاد السوداني والعبور بالبلاد نحو بر الأمان والاستقرار والازدهار.