الكاتب: فريق تحرير الساحة نت
المصدر: موقع اخبار السودان
زيادة أسعار الغاز في الخرطوم لم تعد مجرد خبر اقتصادي عابر تتناقله وكالات الأنباء، بل باتت بمثابة كابوس يومي يطارد الأسر السودانية التي تكافح من أجل البقاء في ظل ظروف معيشية بالغة التعقيد. في تطور جديد وخطير يضيف أعباءً إضافية وثقيلة على كاهل المواطنين المنهكين أصلاً من تداعيات الحرب وتدهور الاقتصاد، أعلنت حكومة ولاية الخرطوم بشكل رسمي عن زيادة جديدة ومفاجئة في أسعار غاز الطهي. هذه الزيادة ليست الأولى من نوعها، بل هي الثانية خلال شهر أبريل الجاري فقط، والخامسة منذ بداية العام الحالي 2026، مما يعكس وتيرة متسارعة ومخيفة في وتيرة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة الأساسية، ويطرح تساؤلات ملحة حول قدرة المواطن على الصمود أمام هذا التسونامي من الغلاء المتواصل.
لغة الأرقام: قفزات جنونية في فترة قياسية عند الغوص في لغة الأرقام، تتكشف حجم المأساة الحقيقية التي تعيشها الأسر في ولاية الخرطوم. فقد قضى القرار الحكومي الأخير برفع السعر الرسمي لأسطوانة غاز الطهي ذات السعة المعتادة (12.5 كيلوجرام) لتصل إلى 90 ألف جنيه سوداني للمستهلك النهائي. وبمقارنة بسيطة مع بداية العام، نجد أن سعر ذات الأسطوانة كان يستقر عند حدود 65 ألف جنيه في شهر يناير الماضي. هذا يعني أن سلعة أساسية لا غنى عنها في أي منزل قد شهدت زيادة قدرها 25 ألف جنيه خلال أقل من أربعة أشهر، وهي نسبة ارتفاع تقارب الـ 40%. هذه القفزات الجنونية في الأسعار لا تتناسب إطلاقاً مع مستويات الدخل الثابتة أو المتآكلة لشريحة واسعة من الموظفين والعمال، الذين باتوا يجدون أنفسهم عاجزين تماماً عن توفير أبسط مقومات الحياة اليومية، حيث أصبحت تكلفة ملء أسطوانة غاز تعادل نسبة كبيرة من رواتبهم الشهرية.
جذور الأزمة: انهيار العملة وتدمير البنية التحتية لا يمكن قراءة هذه الزيادات المتكررة بمعزل عن السياق الاقتصادي والأمني الشامل الذي يمر به السودان. السبب المباشر والجذري وراء الارتفاع المستمر في أسعار غاز الطهي والمحروقات بشكل عام هو الانهيار المتواصل لقيمة الجنيه السوداني مقابل الدولار الأمريكي في السوق الموازي. فالدولة، وفي ظل شح موارد النقد الأجنبي، تعتمد بشكل متزايد على الاستيراد لتغطية العجز في الاستهلاك المحلي، ومع كل تراجع للعملة الوطنية، ترتفع تكلفة الاستيراد والنقل والتوزيع، ليتحمل المواطن في النهاية فاتورة هذا الفارق. إلى جانب ذلك، لعبت الحرب الدائرة دوراً كارثياً في تدمير البنية التحتية لقطاع الطاقة، وخروج مصفاة الجيلي (التي كانت تغذي العاصمة الخرطوم ومناطق واسعة بالغاز والمحروقات) عن الخدمة، مما أجبر السلطات على جلب الغاز من بورتسودان وموانئ أخرى عبر مسارات نقل طويلة ومعقدة أمنياً ولوجستياً، وهو ما يضاعف من تكلفة الترحيل ويخلق ندرة في المعروض تؤدي بدورها إلى ارتفاع الأسعار، وظهور أسواق سوداء يباع فيها الغاز بأرقام تفوق السعر الرسمي بكثير.
تأثير الدومينو: الغاز كعصب للاقتصاد المحلي إن زيادة أسعار الغاز لا تتوقف تأثيراتها عند حدود المطابخ المنزلية، بل تمتد لتضرب قطاعات حيوية أخرى في ظاهرة تُعرف اقتصادياً بـ “تأثير الدومينو”. قطاع المخابز، على سبيل المثال، يعتمد بشكل أساسي على الغاز لإنتاج الخبز اليومي. وأي زيادة في تكلفة هذه المدخلات تعني تلقائياً إما تقليص حجم رغيف الخبز أو رفع سعره على المواطن. الأمر ذاته ينطبق على قطاع المطاعم والمقاهي وصغار الباعة الذين يعتمدون على الأطعمة الجاهزة كمصدر رزق. هؤلاء يجدون أنفسهم بين مطرقة ارتفاع تكلفة الإنتاج وسندان تراجع القدرة الشرائية للزبائن، مما دفع الكثيرين منهم إلى تقليص هوامش أرباحهم أو إغلاق أبوابهم وتجارتهم الصغيرة، ليزيد ذلك من معدلات البطالة والركود الاقتصادي في العاصمة.
البحث عن البدائل: عودة قسرية لعصور الحطب والفحم أمام هذا الغلاء الفاحش والعجز المادي، وجدت آلاف الأسر السودانية في العاصمة الخرطوم نفسها مجبرة على التخلي عن استخدام غاز الطهي، والبحث عن بدائل أقل تكلفة، مما أدى إلى عودة قسرية لاستخدام الفحم النباتي والحطب في إعداد الوجبات اليومية. هذه العودة المأساوية تحمل في طياتها تداعيات خطيرة على عدة مستويات. على المستوى الصحي، يؤدي الدخان المتصاعد من حرق الحطب والفحم في أماكن مغلقة أو شبه مغلقة إلى تفاقم أمراض الجهاز التنفسي والربو، خاصة بين النساء والأطفال الذين يقضون وقتاً طويلاً في هذه المطابخ البدائية. وعلى المستوى البيئي، فإن تزايد الطلب على الحطب والفحم يشجع على عمليات القطع الجائر للأشجار وإزالة الغابات، مما يهدد بتصحر مناطق واسعة ويدمر التوازن البيئي الهش أصلاً في السودان. والمفارقة المبكية أن هذا الإقبال الكبير على الفحم والحطب أدى بدوره إلى اشتعال أسعارهما في الأسواق، ليجد المواطن نفسه محاصراً بالغلاء من كل الاتجاهات، فلا الغاز في متناول اليد، ولا البدائل التقليدية باتت رخيصة.
تآكل الطبقة الوسطى وتعميق خط الفقر إن القرارات المتتالية برفع أسعار السلع الاستراتيجية مثل الغاز والكهرباء والوقود تعمل كأداة حادة لتقطيع أوصال الطبقة الوسطى في السودان، ودفع ملايين الأسر نحو خط الفقر المدقع. في السابق، كانت فاتورة الغاز تمثل بنداً بسيطاً في ميزانية الأسرة، أما اليوم، فقد أصبحت عبئاً يزاحم أولويات أخرى حتمية مثل التعليم والصحة وشراء الأدوية المنقذة للحياة. الأمهات وربات البيوت أصبحن يعتمدن سياسات تقشفية قاسية، كتقليل عدد الوجبات المطبوخة يومياً، أو اللجوء إلى أطعمة لا تتطلب وقتاً طويلاً على النار لتوفير استهلاك الغاز، وهو ما ينعكس سلباً على التغذية السليمة لأفراد الأسرة.
غياب شبكات الحماية الاجتماعية اللافت في هذا المشهد الاقتصادي القاتم هو غياب الإجراءات الحكومية المصاحبة لتخفيف صدمة هذه الزيادات. عادة، عندما تلجأ الحكومات لرفع الدعم أو زيادة أسعار السلع الأساسية، تقوم بإنشاء “شبكات حماية اجتماعية” لدعم الأسر الأكثر فقراً من خلال تحويلات نقدية مباشرة أو توفير السلع بأسعار مدعومة عبر الجمعيات التعاونية. لكن في حالة الخرطوم، يأتي قرار الزيادة مجرداً من أي معالجات اجتماعية، ليترك المواطن وحيداً في مواجهة غول الأسواق الشرس. المطالبات تتصاعد من قبل الخبراء الاقتصاديين والناشطين بضرورة تدخل السلطات لضبط الأسواق، وتقليل الجبايات والرسوم الولائية المفروضة على نقل وتوزيع الغاز، لمحاولة كبح جماح هذه الزيادات المتوالية التي تهدد الاستقرار الاجتماعي المتبقي.
الخلاصة: هل من مخرج في الأفق؟ في الختام، تجسد الزيادة الخامسة لأسعار غاز الطهي خلال العام الجاري، والثانية في شهر أبريل، حالة التخبط الاقتصادي وغياب الحلول الاستراتيجية. المواطن في ولاية الخرطوم بات يدفع فاتورة الحرب والانهيار المالي مضاعفة من قوت يومه. ومع غياب أي بوادر لانفراجة سياسية أو اقتصادية شاملة تعيد للعملة الوطنية توازنها وتعيد تشغيل مصافي التكرير المحلية، يبقى الباب مشرعاً أمام زيادات قادمة قد تحول غاز الطهي من سلعة أساسية إلى رفاهية لا يحلم بها سوى القلة. إن المطلوب اليوم هو وقفة جادة من كافة مؤسسات الدولة لمراجعة السياسات التسعيرية، وإيجاد بدائل عاجلة تخفف من حدة الضائقة المعيشية، فصبر الشارع قد بلغ منتهاه، والأعباء المتراكمة لم تعد تُحتمل في طريق الحرية والانعتاق من أزمات السودان المتلاحقة.