الكاتب: فريق تحرير الساحة نت
الناشر: الساحة نت
المصدر: الساحة نت
السينما السودانية لم تعد اليوم مجرد محاولات فردية خجولة أو ذكريات من ماضٍ بعيد، بل أصبحت القوة الثقافية الأكثر إشراقاً وتأثيراً في المشهد السوداني المعاصر. في الوقت الذي يبحث فيه السودانيون عن أصواتهم وسط زحام الأحداث والتحولات الكبرى التي يمر بها الوطن، برزت الشاشة الفضية كمنبر حر وقوي يحمل هموم، أحلام، وتناقضات المجتمع السوداني ليعرضها أمام أنظار العالم أجمع. نحن في منصة “الساحة نت”، وضمن تغطيتنا العميقة لشؤون الثقافة السودانية، نفتح اليوم ملف الفن السابع في السودان؛ نستكشف جذوره، نحلل أسباب نهضته المفاجئة، ونسلط الضوء على الأفلام والمخرجين الذين انتزعوا التصفيق في قاعات كان، البندقية، والأوسكار، معيدين رسم الخارطة الثقافية للسودان بأسلوب سينمائي ساحر.
الجذور التاريخية: ريادة مبكرة وعدسة توثق البدايات
لفهم حجم الإنجاز الحالي، يجب أن نعود قليلاً إلى الوراء لندرك أن السودان لم يكن يوماً غريباً عن الكاميرا. بدأ تاريخ الفن السينمائي في السودان في وقت مبكر جداً مقارنة بالعديد من دول المنطقة. في أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات، تأسست وحدة السينما السودانية (وحدة أفلام السودان لاحقاً)، والتي كانت تهدف أساساً إلى إنتاج أفلام تسجيلية ووثائقية توعوية وإخبارية.
تلك الفترة شهدت بروز رواد عظماء وضعوا اللبنات الأولى، لعل أبرزهم المخرج الراحل جاد الله جبارة، الذي يعتبر الأب الروحي للفن السينمائي في البلاد. جبارة لم يكتفِ بالتوثيق، بل اقتحم مجال السينما الروائية مقدماً أعمالاً خالدة مثل فيلم “تاجوج” الذي استلهم قصته من التراث السوداني الأصيل. كانت دور العرض في العاصمة المثلثة (الخرطوم، أم درمان، بحري) وفي مدن مثل ود مدني وبورتسودان تكتظ بالجمهور المتعطش للثقافة والفنون، وكانت السينما جزءاً لا يتجزأ من طقوس العائلة السودانية والترفيه الأسبوعي.
سنوات الانقطاع: الخريف الطويل ومرحلة الظلام الثقافي
رغم البدايات القوية والواعدة، إلا أن الرياح السياسية والاقتصادية لم تأتِ بما تشتهي سفن المثقفين. مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، دخل المشهد الثقافي السوداني في نفق مظلم وطويل. تم إغلاق دور العرض السينمائي واحدة تلو الأخرى، وتحولت بعضها إلى مخازن أو قاعات للمناسبات، بينما هُدم البعض الآخر. فُرضت قيود رقابية صارمة على الإنتاج الثقافي والفني، مما أدى إلى هجرة العقول والمواهب إلى الخارج.
في هذه الفترة التي امتدت لقرابة ثلاثة عقود، غابت الصورة السودانية عن الشاشات العالمية والمحلية، واقتصر الإنتاج الفني على بعض المسلسلات التلفزيونية والأعمال الدرامية المحدودة التي لم تكن قادرة على سد الفراغ السينمائي. أجيال كاملة من الشباب السوداني نشأت وهي لا تعرف معنى الذهاب إلى دار عرض لحضور فيلم سوداني يناقش قضاياها، مما خلق فجوة عميقة في الوجدان الثقافي الجمعي.
شرارة العودة: الجيل الجديد يكسر القيود بـ “سينما مستقلة”
ولكن، وكما تنبت زهرة الرمال من بين الصخور الجافة، بدأت إرهاصات ثورة ثقافية جديدة تتشكل في العقد الأخير. شباب سودانيون، مسلحون بالكاميرات الرقمية الحديثة، والشغف، والوعي العميق بقضايا مجتمعهم، قرروا ألا ينتظروا الدعم الحكومي أو المؤسسي الذي قد لا يأتي أبداً. اعتمد هؤلاء الشباب على الإنتاج المستقل (Independent Filmmaking)، التمويل الجماعي، والإنتاج المشترك مع جهات ثقافية خارجية لتمويل مشاريعهم.
مجموعة الفيلم السوداني (Sudanese Film Group) ومؤسسات إنتاجية حديثة بدأت تنظم ورش عمل، وتخلق شبكات تواصل مع مهرجانات عالمية. هؤلاء الشباب أدركوا أن المحلية الصادقة هي أقصر الطرق نحو العالمية. لم يحاولوا تقليد السينما الغربية أو حتى العربية، بل غاصوا في وحل الواقع السوداني، بألوانه، لهجاته، وتناقضاته، ليقدموا سينما تنطق بلسان الشارع.
“ستموت في العشرين”: كسر حاجز الصوت والوصول للعالمية
اللحظة المفصلية التي أعلنت عودة السودان رسمياً إلى الخارطة الثقافية العالمية كانت مع الفيلم الروائي الطويل “ستموت في العشرين” (You Will Die at Twenty) للمخرج الشاب أمجد أبو العلا. الفيلم المقتبس من قصة قصيرة للكاتب السوداني طارق الطيب، شكل صدمة بصرية وثقافية مذهلة للجمهور والنقاد على حد سواء.
الفيلم، الذي صُور بالكامل في السودان (تحديداً في ولاية الجزيرة)، يتناول قضية حادة وعميقة حول سطوة المعتقدات الصوفية والمجتمعية على مصير الفرد، من خلال قصة طفل تتنبأ له إحدى نبوءات الدراويش بأنه سيموت عندما يبلغ العشرين من عمره، ليعيش حياته في انتظار الموت. الإبداع البصري في إظهار جماليات الريف السوداني، الألوان الزاهية للثياب، وطقوس الذكر، جعلت الفيلم يحصد جائزة “أسد المستقبل” في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، في سابقة تاريخية للسودان، ليفتح الباب واسعاً أمام سيل من الأعمال القادمة.
“وداعاً جوليا” و “الحديث عن الأشجار”: توثيق الوجع والأمل
لم يكن نجاح أبو العلا ضربة حظ يتيمة، بل كان إيذاناً بانفجار ينبوع الإبداع. جاء المخرج صهيب قسم الباري بفيلمه الوثائقي البديع “الحديث عن الأشجار” (Talking About Trees)، والذي يوثق لمحاولة أربعة مخرجين سودانيين مخضرمين إعادة افتتاح دار عرض سينمائي قديمة في أم درمان. الفيلم فاز بجوائز مرموقة في مهرجان برلين، مسلطاً الضوء على الروح المرحة والمثابرة التي يتميز بها المثقف السوداني رغم قسوة الظروف.
أما الإنجاز الأحدث والأكثر ضجة فكان فيلم “وداعاً جوليا” (Goodbye Julia) للمخرج محمد كردفاني. هذا الفيلم اقتحم منطقة تاريخية واجتماعية شائكة جداً في الوجدان السوداني؛ ألا وهي الانقسام بين الشمال والجنوب، وقضايا العنصرية المتجذرة. تدور أحداث الفيلم قبيل انفصال جنوب السودان، حول علاقة معقدة بين سيدة شمالية وشابة جنوبية. الفيلم لم يفز فقط بجائزة الحرية في مهرجان كان السينمائي في مسابقة (نظرة ما)، بل حطم أرقاماً قياسية في شباك التذاكر عند عرضه في دول الخليج ومصر وأوروبا، وأثبت أن القصة السودانية قادرة على جذب الجماهير العربية والعالمية إذا ما صُنعت بحرفية وصدق.
القضايا التي تعالجها السينما السودانية المعاصرة
المتابع للمشهد عبر “الساحة نت” يلاحظ بوضوح أن السينما السودانية الجديدة لا تهرب إلى الكوميديا السطحية أو الأكشن التجاري المبتذل، بل هي سينما اشتباك وتفكيك للمجتمع. أبرز التيمات التي تركز عليها تشمل:
- الهوية المزدوجة: الصراع والتصالح بين الانتماء الإفريقي والعروبي في الشخصية السودانية.
- المرأة السودانية: تسليط الضوء على معاناة، صلابة، وقوة الكنداكة السودانية في مواجهة التقاليد الذكورية والقوانين المجحفة.
- التحولات السياسية: التوثيق للأحداث الكبرى والثورات التي غيرت وجه البلاد، وتأثيرها على الإنسان العادي.
- العنصرية والطبقية: مناقشة المسكوت عنه بشجاعة، كمشكلة التهميش ونظرة المركز للأطراف.
هذه الشجاعة في الطرح هي ما يمنح هذه الأفلام قيمتها الفنية والأخلاقية، ويجعلها محط إعجاب لجان التحكيم في المهرجانات الكبرى.
التحديات التي تهدد الصناعة الثقافية الناشئة
رغم الانتصارات المدوية، لا تزال صناعة الفن السابع في السودان تمشي على حقل ألغام من التحديات. التحدي الأكبر هو غياب البنية التحتية؛ فحتى الأفلام السودانية التي تفوز بجوائز عالمية، لا تجد دور عرض كافية ومجهزة داخل السودان لتعرض فيها للجمهور المحلي الذي صُنعت من أجله. الجمهور السوداني يضطر لانتظار عرضها في منصات البث الرقمي أو في عروض خاصة محدودة.
ثانياً، التمويل لا يزال يمثل عقبة كأداء. الاعتماد الكلي على المنح الأوروبية أو الصناديق العربية يحد من وتيرة الإنتاج. الصناعة تحتاج إلى رأس مال وطني وإيمان من رجال الأعمال بأن الاستثمار في الثقافة والسينما يمكن أن يكون مربحاً اقتصادياً وله عائد معنوي ضخم في تحسين صورة البلاد. إضافة إلى التحديات السياسية والأمنية الحالية التي تجعل من تصوير أي عمل فني داخل البلاد مجازفة حقيقية تواجه الكثير من الصعوبات اللوجستية.
الخلاصة: مستقبل الثقافة البصرية في السودان
في ختام هذا التقرير الشامل، يمكننا القول بيقين إن السينما السودانية اليوم هي السفير الأقوى والأجمل لثقافة السودان. المخرجون والكتاب والممثلون السودانيون أثبتوا أنهم يمتلكون مخزوناً قصصياً وحكائياً لا ينضب، وموهبة بصرية قادرة على منافسة كبار المبدعين في العالم. هذه الأفلام ليست مجرد وسائل ترفيه، بل هي وثائق بصرية تحفظ ذاكرة الأمة، وتعيد تشكيل وعي الأجيال القادمة. السودان مليء بالقصص التي لم تُروَ بعد، ومع استمرار شغف هذا الجيل الشاب، فإننا موقنون أن شمس الثقافة السودانية ستواصل شروقها على الشاشات العالمية، لتخبر الجميع أن هذا البلد، رغم كل جراحه، لا يزال قادراً على صناعة الجمال والدهشة.