الكاتب: فريق تحرير الساحة نت
المصدر: موقع اخبار السودان
زيارة البرهان للسعودية تأتي في توقيت بالغ الحساسية والتعقيد، لترسم ملامح استراتيجية سودانية جديدة تهدف إلى كسر طوق “التدويل” الذي تراه الخرطوم تهديداً مباشراً لكيان الدولة ومؤسساتها الرسمية. إن تحرك رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، نحو الرياض ومن ثم مسقط، لم يكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل هو هجوم دبلوماسي استباقي يهدف إلى إعادة ترتيب أوراق القضية السودانية في الحاضنة الإقليمية، بعيداً عن الممرات الدولية التي تتهمها السلطات السودانية بمحاولة شرعنة القوى الموازية وتقسيم البلاد تحت غطاء العمل الإنساني.
شبح مؤتمر برلين: صراع الشرعية والتمثيل تعتبر الحكومة السودانية أن “المؤتمر الدولي الثالث حول السودان” الذي استضافته برلين في منتصف أبريل، مثل منعطفاً خطيراً في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة. وبحسب المصادر المطلعة، فإن المخاوف في بورتسودان بلغت ذروتها من محاولات أطراف دولية “شرعنة” ما يُعرف بـ “تحالف السودان التأسيسي”، وهو الكيان السياسي المرتبط بقوات الدعم السريع. ترى الخرطوم أن مؤتمر برلين سعى بشكل غير مباشر لفتح قنوات اعتراف بـ “حكومة موازية” تدير مناطق نفوذ الدعم السريع، وهو ما تعتبره الدولة السودانية خطاً أحمر يهدد وحدة التراب الوطني ويمهد لسيناريوهات “البلقنة” أو التقسيم الفعلي.
سيادة المساعدات: المعركة الصامتة على الإدارة تعد قضية “المساعدات الإنسانية” جوهر الخلاف الراهن بين السودان والعديد من القوى الغربية. كواليس زيارة البرهان كشفت عن خشية حقيقية من انتزاع إدارة ملف الإغاثة من يد مؤسسات الدولة السودانية ومنحها لجهات دولية أو منظمات تعمل خارج مظلة السيادة الوطنية. إن منح جهات دولية سلطة توزيع المساعدات في مناطق دارفور وكردفان والنيل الأزرق دون التنسيق مع الحكومة المركزية يُفهم في أروقة السياسة السودانية كاعتراف ضمني بسلطة “الدعم السريع” كجهة إدارية شرعية في تلك الأماكن. من هنا، جاءت مباحثات جدة لتركز على ضرورة أن تظل الدولة السودانية هي الممر الوحيد والشرعي لكافة أشكال الدعم الإنساني، ضماناً لعدم استخدامه كأداة سياسية لترسيخ واقع التقسيم.
المحور السعودي: البحث عن منصة بديلة وذات سيادة في لقائه مع القيادة السعودية في جدة، طرح البرهان رؤية سودانية تطالب الرياض بلعب دور قيادي في تنظيم “مؤتمر بديل للمساعدات”. تراهن الخرطوم على ثقل المملكة العربية السعودية وقدرتها على جمع المانحين في إطار يحترم سيادة السودان ويضمن وصول المساعدات عبر المؤسسات الوطنية. السعودية، التي تقود أصلاً “منصة جدة” للمفاوضات، تبدو الحليف الأقرب القادر على موازنة الضغوط الغربية، وتوفير مظلة إقليمية تحمي الدولة السودانية من الانزلاق نحو التدويل القسري الذي قد ينتهي بفرض وصاية دولية على موارد البلاد وقراراتها.
الانفتاح على مسقط: تنويع المسارات الاقتصادية لم يكتفِ البرهان بالملف السياسي في الرياض، بل اتجه نحو سلطنة عُمان في خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية واستراتيجية بالغة الأهمية. المباحثات مع السلطان هيثم بن طارق تركزت على فتح مسارات تجارية جديدة عبر الموانئ العُمانية. هذا التحرك يهدف إلى توفير بدائل لوجستية للسودان في ظل الاضطرابات التي تشهدها طرق التجارة التقليدية، وضمان تدفق السلع الاستراتيجية بعيداً عن أي ضغوط أو حصار قد يُفرض مستقبلاً. إن التعاون مع مسقط يمثل ركيزة في استراتيجية “تعدد الخيارات” التي تنتهجها الخرطوم لتعزيز صمودها الاقتصادي في مواجهة تداعيات الحرب المستمرة.
مخاطر الشرعنة الدولية للقوات الموازية الهاجس الأكبر الذي حمله البرهان في حقيبته الدبلوماسية هو التحذير من خطورة “تحالف السودان التأسيسي”. المصادر تؤكد أن السودان قدم تقارير مفصلة لحلفائه الإقليميين حول مخاطر الاعتراف بأي كيانات موازية في دارفور أو غيرها. تعتبر الخرطوم أن أي تعامل دولي مع هذه الكيانات كسلطة إدارية هو “مكافأة للمتمردين” وتشجيع على تفتيت الدولة. وتسعى الدبلوماسية السودانية حالياً لحشد موقف عربي وإسلامي موحد يرفض أي نتائج لمؤتمر برلين تؤدي إلى تجاوز المؤسسات الرسمية للدولة السودانية، معتبرة أن ذلك يمثل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية قد تمتد آثارها لدول أخرى في المنطقة.
الخلاصة: معركة الوجود الدبلوماسي إن تحركات البرهان الأخيرة تمثل صراعاً على “الشرعية السياسية” بقدر ما هي بحث عن دعم مادي. السودان اليوم يخوض معركة وجودية على جبهتين: جبهة الميدان العسكري، وجبهة الاعتراف الدبلوماسي. وزيارة السعودية وعُمان هي محاولة جادة لرسم مسار “وطني – إقليمي” للأزمة، يجهض محاولات فرض حلول خارجية ترى الخرطوم أنها تخدم أجندة القوى الموازية أكثر مما تخدم تطلعات الشعب السوداني في الأمن والاستقرار والسيادة الكاملة على أراضيه.