الكاتب: فريق تحرير الساحة نت
المصدر: موقع اخبار السودان
خلافات هارون وكرتي تطفو على السطح بقوة لتكشف عن تصدع عميق في جدار الحركة الإسلامية السودانية، في وقت تمر فيه البلاد بأخطر منعطفاتها التاريخية. فقد كشفت مصادر مطلعة من مدينة بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة، عن نشوب أزمة حادة وغير مسبوقة بين القياديين البارزين أحمد هارون وعلي كرتي. هذا الصراع، الذي لم يعد حبيس الغرف المغلقة، تفجر على خلفية تباين المواقف حول واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً: ملف المحكمة الجنائية الدولية وتسليم المطلوبين. إن هذه التسريبات لا تعكس مجرد تباين في وجهات النظر السياسية، بل تنذر بـ “مفاصلة” جديدة قد تعيد رسم الخارطة السياسية والعسكرية للتيار الإسلامي، وتلقي بظلالها الكثيفة على مسار الحرب الدائرة في السودان.
جذور الأزمة: براغماتية كرتي ومخاوف هارون الوجودية لفهم أبعاد هذا الصراع، يجب النظر إلى الدوافع المتباينة لكلا الرجلين. علي كرتي، الذي يُعد المهندس الفعلي والمحرك الأبرز للحركة الإسلامية في نسختها الحالية، يبدو أنه ينتهج مساراً براغماتياً (عملياً) يهدف إلى فك العزلة الدولية عن التيار الإسلامي وإيجاد موطئ قدم له في أي تسوية سياسية قادمة لما بعد الحرب. وتشير التقارير إلى أن كرتي أبدى “مرونة” غير متوقعة في أروقة صناعة القرار، مبدياً عدم ممانعته لمناقشة تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، وعلى رأسهم الرئيس المعزول عمر البشير، ووزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين، والقيادي أحمد هارون نفسه. هذه المرونة تُقرأ على أنها محاولة لتقديم تنازلات للمجتمع الدولي بهدف رفع العقوبات وتخفيف الضغط الخارجي على الحركة.
في المقابل، تلقى أحمد هارون هذه التسريبات بغضب عارم، معتبراً إياها خيانة صريحة وطعنة في الظهر من رفيق الدرب. بالنسبة لهارون، الذي يواجه اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور، فإن تسليمه يعني نهاية سياسية وشخصية مأساوية. وقد صرح لمقربين منه بأن هذه التوجهات هي محاولة مكشوفة لتقديمه كـ “كبش فداء” لتبييض صفحة القيادة الحالية للحركة، مستذكراً المصير الذي انتهى إليه علي كوشيب، الذي يخضع حالياً للمحاكمة في لاهاي. هذا الشعور بالاستهداف دفع هارون للتحرك المضاد، مستغلاً نفوذه وعلاقاته الممتدة داخل هياكل الدولة والتنظيم لإجهاض هذا التوجه.
التداعيات العسكرية: شرارة الانقسام تطال “كتيبة البراء” لم تقف ارتدادات هذه الخلافات عند حدود التراشق السياسي، بل امتدت لتلامس العصب الحساس: التشكيلات العسكرية. وتعتبر “كتيبة البراء بن مالك” واحدة من أبرز الفصائل المحسوبة على التيار الإسلامي والتي تقاتل جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة السودانية ضد قوات الدعم السريع. لقد حذرت المصادر الأمنية والسياسية من أن التوتر بين هارون وكرتي بدأ ينعكس على تماسك هذه التشكيلات الميدانية.
وقد برزت مؤشرات مقلقة تربط بين هذا الانقسام السياسي وسلسلة من الاعتقالات والإيقافات التي طالت مؤخراً عناصر ميدانية مؤثرة في “كتيبة البراء”. هذه الاعتقالات تُفسر على أنها محاولة من أحد الأطراف المتصارعة لتصفية نفوذ الطرف الآخر داخل العمل العسكري، وضمان الولاء التام للتشكيلات المسلحة. إن انتقال عدوى الانقسام من الصالونات السياسية إلى خنادق القتال يمثل خطراً استراتيجياً داهماً، ليس فقط على الحركة الإسلامية، بل على التماسك الميداني للجبهة الداعمة للجيش السوداني في حربه الوجودية الحالية.
شبح “المفاصلة”: هل يعيد التاريخ نفسه؟ يأتي هذا الصراع الطاحن ليستدعي إلى الأذهان فوراً السياق التاريخي الطويل من الانقسامات التي عصفت بجماعة الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية في السودان. المتابع للمشهد لا يمكنه تجاهل المقاربة بين ما يحدث اليوم وبين المواجهة الشهيرة التي وقعت في عام 1999، والتي عُرفت بـ “مفاصلة رمضان”. حينها، انقسم التنظيم رأسياً وأفقياً بين جناح الرئيس المعزول عمر البشير (بدعم من القيادات العسكرية والتنفيذية) وجناح الزعيم الروحي والمفكر الراحل حسن الترابي. تلك المفاصلة انتهت باعتقالات، وتخوين، وانشطار الحركة إلى حزبين يتنازعان الشرعية.
اليوم، يرى المراقبون أن الخلاف بين هارون وكرتي قد يتطور إلى نسخة جديدة من “المفاصلة”، حيث يتحول “إخوان الأمس” الذين وقفوا في صف واحد لسنوات طويلة، إلى “أعداء اليوم” الذين يتنازعون على البقاء، والمواقف السياسية، وشرعية تمثيل التيار الإسلامي. الفارق الخطير هذه المرة هو أن الانقسام يأتي في ظل دولة تعاني من انهيار مؤسسي وحرب أهلية مدمرة، مما يجعل تكلفة هذا الصراع باهظة على استقرار البلاد ككل.
البعد الدولي للمحكمة الجنائية والضغوط الغربية لا يمكن قراءة هذه الأزمة بمعزل عن الضغوط الدولية المتزايدة. المحكمة الجنائية الدولية لم تغلق ملف دارفور، بل إن المدعي العام للمحكمة جدد مراراً مطالباته بضرورة مثول المطلوبين أمام العدالة الدولية. بالنسبة للدوائر الغربية، يُعد ملف تسليم هارون والبشير وحسين معياراً حقيقياً لمدى جدية أي سلطة في بورتسودان في الالتزام بالقانون الدولي والقطيعة مع إرث النظام السابق.
يبدو أن قيادة الحركة الإسلامية بقيادة كرتي (الذي يواجه هو الآخر عقوبات أمريكية) تدرك أن التمترس خلف رفض التسليم المطلق قد يغلق في وجهها أي نوافذ للقبول الإقليمي والدولي. من هنا جاء التفكير في تقديم تنازلات مؤلمة، وهو ما يراه تيار هارون انتحاراً سياسياً وتفريطاً في سيادة الدولة وحماية كوادر التنظيم. هذا التجاذب يضع صانع القرار في بورتسودان بين فكي كماشة: إما الاستجابة للمجتمع الدولي ومواجهة غضب وانشقاق الجناح المتشدد في الحركة الإسلامية، أو حماية المطلوبين واستمرار العزلة والضغوط الدولية.
الخلاصة: مستقبل غامض ومشهد يزداد تعقيداً في المحصلة، تمثل التوترات الحالية بين أحمد هارون وعلي كرتي مؤشراً خطيراً على حالة السيولة والانقسام التي تضرب عمق التيار الإسلامي في السودان. إن معركة “تسليم المطلوبين” تحولت من أزمة قانونية حقوقية إلى معركة كسر عظم سياسية داخلية. وفي حال خروج هذا الخلاف عن السيطرة وتمدده بشكل أوسع نحو التشكيلات العسكرية مثل “كتيبة البراء”، فإن المشهد السياسي والأمني في السودان سيزداد تعقيداً وتشابكاً. إن الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، وستكشف ما إذا كانت القيادة الحالية قادرة على احتواء هذا الزلزال، أم أن البلاد ستشهد ولادة واقع جديد يُقصي فيه رفاق الدرب بعضهم البعض في سبيل النجاة من مقصلة الجنائية الدولية.