الكاتب: فريق تحرير الساحة نت
المصدر: وكالة السودان للأنباء
جهود وزارة المالية تتسارع في هذا التوقيت الحرج والمفصلي من تاريخ السودان، لترجمة الرؤى الاستراتيجية إلى واقع ملموس ينقذ الاقتصاد الوطني من عثراته، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار. في هذا السياق، جاء اللقاء بالغ الأهمية الذي جمع عضو مجلس السيادة الانتقالي، الدكتورة نوارة أبو محمد، بوزير الدولة بوزارة المالية، الأستاذ محمد نور عبد الدائم، ليضع النقاط على الحروف فيما يخص الانتقال الفعلي من اقتصاد الأزمات إلى اقتصاد التعافي والنمو. هذا الاجتماع، الذي احتضنه مكتب عضو مجلس السيادة اليوم، لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي روتيني، بل هو بمثابة “غرفة عمليات اقتصادية” مصغرة، تهدف إلى وضع خطط عاجلة واستراتيجية لتأمين متطلبات مرحلة البناء والتعمير، وتمويل المشروعات ذات الأولوية القصوى التي تمس حياة المواطن بشكل مباشر.
تحديات مرحلة البناء والتعمير: من أين يبدأ السودان؟ إن مفهوم “البناء والتعمير” في السياق السوداني الحالي لا يقتصر على مجرد تشييد المباني أو إصلاح الطرق المدمرة، بل يمتد ليشمل إعادة هندسة الاقتصاد الوطني ككل. البلاد تقف أمام فاتورة باهظة لإعادة تأهيل البنية التحتية القومية التي تضررت بشدة؛ بدءاً من شبكات الكهرباء والمياه، مروراً بالمستشفيات والمرافق الصحية التي خرجت عن الخدمة، وصولاً إلى المؤسسات التعليمية والموانئ وشبكات النقل. اللقاء ركز بشكل معمق على كيفية حشد الموارد المالية اللازمة لهذه المرحلة. فالاعتماد على الإيرادات الذاتية للدولة في ظل انكماش الوعاء الضريبي وتراجع الصادرات يتطلب سياسات مالية مبتكرة. هنا، تبرز خطط وزارة المالية في تعظيم الإيرادات غير الضريبية، وترشيد الإنفاق الحكومي، وتوجيه الكتلة النقدية المتاحة نحو المشروعات الإنتاجية التي تدر عائداً سريعاً وتساهم في تحريك عجلة الاقتصاد.
تمويل المشروعات ذات الأولوية: القطاعات الحيوية أولاً لقد اتفقت رؤية مجلس السيادة، ممثلاً في الدكتورة نوارة أبو محمد، مع الخطط التنفيذية لوزارة المالية على ضرورة تحديد “أولويات صارمة” للتمويل. لا مجال الآن للإنفاق على الكماليات أو المشروعات طويلة الأجل التي لا تنعكس إيجاباً على المواطن في المدى القصير. المشروعات ذات الأولوية تتمثل في قطاعين أساسيين: الأمن الغذائي والخدمات الصحية. بالنسبة للأمن الغذائي، تتجه الجهود نحو تمويل المواسم الزراعية، وتوفير المدخلات من أسمدة وبذور ووقود، لضمان إنتاجية عالية تكفي الاستهلاك المحلي وتفتح باباً للصادرات. أما القطاع الصحي، فيتطلب تمويلاً إسعافياً لتوفير الأدوية المنقذة للحياة، وإعادة تشغيل المستشفيات المركزية في الولايات الآمنة والمستقرة. هذه الأولويات تتطلب مرونة فائقة من وزارة المالية في تسييل الأموال وتجاوز البيروقراطية الإدارية التي طالما عطلت مسيرة التنمية في البلاد.
تأمين معاش المواطنين: المعركة الحقيقية للاستقرار لعل المحور الأكثر التصاقاً بهموم الشارع السوداني والذي استحوذ على حيز كبير من مباحثات اللقاء، هو “تأمين معاش المواطنين واستقرارهم المعيشي”. المواطن السوداني يواجه اليوم ضغوطاً تضخمية غير مسبوقة، وتآكلاً في القيمة الشرائية للعملة الوطنية، وارتفاعاً جنونياً في أسعار السلع الأساسية. وقد استعرض وزير الدولة بوزارة المالية حزمة الترتيبات التي تقودها الوزارة لكبح جماح هذا التدهور. وتشمل هذه الترتيبات التدخل لتوفير السلع الاستراتيجية (مثل الدقيق، الوقود، والدواء) بأسعار معقولة، فضلاً عن السعي الجاد لانتظام دفع رواتب العاملين في القطاع العام، والتي تمثل شريان الحياة لملايين الأسر. إن تحقيق الاستقرار المعيشي ليس مجرد هدف اقتصادي، بل هو ضرورة أمنية وسياسية؛ فالاستقرار الاجتماعي هو الأساس المتين الذي يمكن أن تُبنى عليه أي عملية سياسية أو أمنية في البلاد.
الخدمات الضرورية: حقوق أصيلة وليست رفاهية تطرق اللقاء أيضاً إلى ملف تعزيز مسيرة الخدمات الضرورية. إن انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة، وأزمات مياه الشرب، وتراجع خدمات إصحاح البيئة، باتت تشكل عبئاً يومياً يثقل كاهل السودانيين. وزارة المالية تجد نفسها أمام مسؤولية تاريخية لتوفير اعتمادات مالية عاجلة لقطاعات الطاقة والمياه. الدكتورة نوارة أبو محمد شددت على أهمية أن يشعر المواطن بـ “عائد السلام والاستقرار” من خلال تحسن ملموس في هذه الخدمات. وفي هذا الصدد، تُطرح خيارات الشراكة مع القطاع الخاص (PPP) كأحد الحلول الاستراتيجية لتمويل وإدارة مشاريع الخدمات الأساسية، مما يخفف العبء عن موازنة الدولة ويضمن كفاءة أعلى في التشغيل وتقديم الخدمة.
دور مجلس السيادة في الرقابة والدعم يعكس هذا اللقاء التناغم المطلوب بين قمة الهرم السيادي والجهاز التنفيذي. فمجلس السيادة لا يتدخل في التفاصيل الفنية اليومية لوزارة المالية، ولكنه يوفر الغطاء السياسي والسيادي لتمرير القرارات الاقتصادية الصعبة. إن إشراف الدكتورة نوارة أبو محمد على هذا الملف يعطي رسالة واضحة بأن القيادة العليا للدولة تضع الملف الاقتصادي وإعادة الإعمار في قمة أجندتها. هذا الدعم السيادي سيمكن وزارة المالية من اتخاذ تدابير حاسمة، قد تشمل مراجعة بعض السياسات النقدية والمالية، ومكافحة التهرب الضريبي، والحد من التجنيب، وفرض ولاية وزارة المالية على كافة المال العام دون استثناء، وهي خطوات ضرورية لتعظيم إيرادات الدولة وتمويل خطط التعافي.
جذب الاستثمارات والشراكات الدولية: رؤية مستقبلية لا يغيب عن ذهن صانع القرار السوداني أن الموارد المحلية، مهما حُشدت، لن تكون كافية منفردة لتغطية تكاليف مرحلة البناء والتعمير الشاملة. لذلك، تمثل هذه المباحثات خطوة أولى نحو تهيئة “البيئة الداخلية” لاستقبال الاستثمارات الخارجية والمنح الدولية. إن إقرار خطة اقتصادية واضحة المعالم، وتحديد أولويات شفافة للتمويل، يعزز من ثقة المؤسسات المالية الإقليمية والدولية (مثل الصناديق العربية، البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي) في الاقتصاد السوداني. وزارة المالية تعمل على تجهيز “محفظة مشروعات” جاهزة للطرح، تتميز بدراسات جدوى اقتصادية واجتماعية رصينة، لتقديمها في أي مؤتمرات مانحين قادمة، بهدف استقطاب رؤوس الأموال العربية والأجنبية للمشاركة في نهضة السودان الجديدة.
الشفافية والحوكمة: شروط نجاح التعمير من أهم الركائز التي يجب أن تصاحب جهود تمويل مرحلة البناء والتعمير هي إرساء مبادئ الشفافية والحوكمة ومكافحة الفساد. لن يكتب النجاح لأي خطط اقتصادية ما لم تكن هناك آليات رقابية صارمة تضمن توجيه كل قرش نحو وجهته الصحيحة. المواطن السوداني، وكذلك المانح الدولي، يحتاجان إلى ضمانات بأن أموال الإعمار لن تتسرب في قنوات الهدر الإداري. لذلك، فإن تعزيز الرقابة الإلكترونية، وتفعيل دور المراجع العام، ونشر تقارير الأداء المالي بصفة دورية، هي متطلبات أساسية لكسب ثقة الجميع وتأمين مسيرة التنمية المستدامة.
الخلاصة: نحو غدٍ أفضل في الختام، يمثل لقاء الدكتورة نوارة أبو محمد ووزير الدولة بوزارة المالية الأستاذ محمد نور عبد الدائم، نقطة انطلاق جادة نحو ترميم الاقتصاد السوداني وتوجيه البوصلة نحو التعمير. إن التحديات ضخمة ومعقدة، وتتطلب تضافر جهود كافة مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني. غير أن وضوح الرؤية، وتحديد الأولويات بصرامة، والانحياز الكامل لتحسين معاش المواطن، تمثل جميعها الأسس الصحيحة للانطلاق. السودان يقف اليوم على أعتاب مرحلة تتطلب قرارات استثنائية وعملاً دؤوباً، لتتحول وعود البناء والتعمير من حبر على ورق إلى واقع مزدهر يلمسه كل مواطن في حياته اليومية.