الكاتب: فريق تحرير الساحة نت
الناشر: الساحة نت
المصدر: الساحة نت
المسرح السوداني لم يكن يوماً مجرد ترفيهٍ عابر أو تسليةٍ تُنسى بمجرد إسدال الستار؛ بل كان دائماً “البرلمان الشعبي” الأصدق الذي تُناقش فيه قضايا الأمة، وتُشرّح فيه أوجاع المواطن البسيط بجرأةٍ لا تعرف المواربة. خشبة المسرح في السودان هي المساحة المقدسة التي يلتقي فيها الممثل بجمهوره وجهاً لوجه، حيث تمتزج الأنفاس، وتتفاعل الضحكات والدموع في ذات اللحظة، لتخلق حالة من التطهير النفسي (الكاثارسيس) لا يمكن لأي فن آخر أن يحققها. نحن في منصة “الساحة نت”، وضمن سعينا الحثيث لتوثيق التحولات في المشهد الثقافي السوداني، نفتح اليوم الستار عن واقع المسرح في بلادنا؛ لنقرأ تاريخه الذهبي، ونرصد سنوات عجافه، ونسلط كشافات الضوء على “المسرح المستقل”، تلك الثورة الشبابية التي أبت إلا أن تعيد الحياة لأبي الفنون، حاملةً الخشبة على أكتافها لتعبر بها نحو الجماهير المتعطشة للفن الصادق.
العصر الذهبي: عندما كانت الخشبة تتنفس إبداعاً
لا يمكننا الغوص في واقع اليوم دون استذكار أمجاد الأمس. لقد عرف السودان المسرح منذ وقت مبكر، وتحديداً عبر المسرح المدرسي في كلية غردون التذكارية ومعهد بخت الرضا، حيث كانت تُقدم مسرحيات كلاسيكية وتاريخية. لكن الانطلاقة الجماهيرية الحقيقية تبلورت مع إنشاء “المسرح القومي بأم درمان” في عام 1959. هذا الصرح العظيم كان بمثابة المنارة التي أضاءت ليالي العاصمة المثلثة، وجمعت حولها صفوة المجتمع وعامته.
في تلك الحقبة الذهبية (الستينيات والسبعينيات)، برزت قامات فنية خالدة أسست لمدارس مسرحية سودانية خالصة. من ينسى عبقرية الأستاذ الراحل الفاضل سعيد، الذي طاف بفرقته المسرحية أصقاع السودان المختلفة، مبتكراً شخصيات كاريكاتيرية وواقعية (مثل العجب، بت قضيم، والحاج أيوب) جسدت ببراعة مذهلة تناقضات المجتمع السوداني بقالب كوميدي ناقد ولاذع. وفي ذات الوقت، كان المسرح الجاد يقدم روائعه عبر عمالقة مثل مكي سنادة، محمد رضا حسين، وتحية زروق، الذين قدموا نصوصاً عالمية ومحلية عالجت قضايا سياسية واجتماعية وفلسفية عميقة. كان الذهاب إلى المسرح القومي طقساً أسبوعياً للعائلة السودانية، يعكس حالة من الرقي الثقافي والوعي المجتمعي.
سنوات الركود: المسرح في غرفة الإنعاش
كما هي العادة في بلادنا، لا تستمر المواسم الثقافية الزاهية طويلاً. مع دخول التسعينيات، تعرض المسرح السوداني لضربات قاصمة كادت أن تقضي عليه تماماً. السياسات الرسمية في تلك الفترة نظرت إلى المسرح بعين الريبة، ففُرضت قيود رقابية صارمة على النصوص، وقُيدت حرية التعبير تحت طائلة قوانين النظام العام.
ترافق هذا التضييق السياسي مع إهمال متعمد للبنية التحتية. تهالكت دور العرض، وانطفأت كشافات الإضاءة في المسرح القومي والمسارح الإقليمية، وجفت منابع التمويل الحكومي. الكثير من الكوادر المسرحية المؤهلة اضطرت للهجرة بحثاً عن لقمة العيش وحرية الإبداع، بينما تحول من تبقى إلى العمل في “الدراما الإذاعية” أو المشاركة في بعض الإسكتشات الكوميدية الخفيفة التي لا ترقى لمستوى المسرح الجماهيري الجاد. دخل “أبو الفنون” في السودان في غيبوبة طويلة، وبدا وكأن جيلاً كاملاً سينشأ دون أن يعرف سحر الخشبة.
ثورة المسرح المستقل: شباب يحملون الخشبة على أكتافهم
ولكن، لأن الفن كالنهر لا يمكن إيقاف جريانه، انبثقت من رحم هذه المعاناة حركة “المسرح المستقل”. مجموعة من خريجي كلية الموسيقى والدراما بجامعة السودان، وشباب موهوبين لم يدرسوا الفن أكاديمياً ولكنهم امتلكوا الشغف، قرروا التمرد على حالة الموت السريري للمسرح. أدرك هؤلاء الشباب أن انتظار الدعم الحكومي أو ترميم المسارح الرسمية هو مضيعة للوقت، فقرروا خلق مسارحهم الخاصة.
المسرح المستقل في السودان لم يعتمد على الإنتاج الضخم أو الديكورات المبهرة، بل اعتمد على “الفكرة” و”قدرات الممثل”. تشكلت فرق مسرحية شبابية تعمل بجهود ذاتية، تمول عروضها من جيوب أعضائها أو عبر مساهمات مجتمعية بسيطة (Crowdfunding). هؤلاء المبدعون حولوا الساحات المفتوحة، باحات المراكز الثقافية (مثل مركز عبد الكريم ميرغني ومعهد غوته والمركز الثقافي الفرنسي)، وحتى أسطح المنازل، إلى فضاءات مسرحية بديلة (Alternative Spaces). هذه الفرق كسرت القاعدة القديمة التي تقول “الجمهور يجب أن يأتي للمسرح”، وقررت أن “المسرح يجب أن يذهب إلى الجمهور”.
قضايا الشارع على الخشبة: مسرح الاشتباك الواقعي
ما يميز نصوص المسرح المستقل السوداني اليوم هو ارتباطها العضوي الوثيق بالشارع. لقد تخلى الشباب عن النصوص الكلاسيكية المعقدة المترجمة، واتجهوا لكتابة نصوص سودانية طازجة، تشتبك مباشرة مع الراهن السياسي والاجتماعي.
المسرحيات المستقلة تناقش بشجاعة قضايا كانت تعتبر من التابوهات. نرى عروضاً تشرح أزمة “الهوية المزدوجة”، وتفضح العنصرية والطبقية المتجذرة، وتناقش أوجاع النزوح واللجوء وتأثير الحروب العبثية على المواطن البسيط. كما يفرد المسرح الحديث مساحة واسعة لقضايا “المرأة السودانية” (الكنداكة)، صراعها مع القوانين المجحفة، وتصديها للعقلية الذكورية السلطوية. هذا الاشتباك الصادق واللغة الدارجة العميقة جعلا العروض الشبابية تحظى بحضور جماهيري لافت، حيث يرى المشاهد السوداني نفسه، بأوجاعه وأحلامه، تتجسد لحماً ودماً أمامه على الخشبة.
مسرح الشارع والتفاعلي: تحطيم الحائط الرابع
أحد أهم الابتكارات التي أدخلتها الفرق المستقلة هو الاعتماد على تقنيات “مسرح الشارع” (Street Theater) و”مسرح المقهورين” (Theater of the Oppressed) الذي ابتكره البرازيلي أوغوستو بوال. في هذا النوع من المسرح، يتم تحطيم “الحائط الرابع” الوهمي الذي يفصل بين الممثل والجمهور.
في شوارع الخرطوم، وفي معسكرات النزوح في دارفور والولايات، تقدم الفرق الشبابية عروضاً تفاعلية مفاجئة للمارة. تبدأ المسرحية بمشهد يجسد مشكلة اجتماعية معقدة، ثم يتوقف العرض ليطلب الممثلون من الجمهور التدخل، بل واقتراح حلول للمشكلة، وأحياناً الصعود للتمثيل وتغيير مسار القصة! هذه التقنية العبقرية حولت المسرح من وسيلة للتلقين المباشر إلى أداة للحوار المجتمعي الديمقراطي، وعلاج نفسي جماعي للمجتمعات المتضررة من النزاعات.
المسرح السوداني في المهجر: إبداع تحت وطأة اللجوء
مع تصاعد وتيرة الأحداث السياسية والأمنية في السودان مؤخراً، اضطرت شريحة كبيرة من المبدعين والمسرحيين لمغادرة البلاد. لكن هذا النزوح القسري خلق حالة مسرحية جديدة يُمكن تسميتها بـ “مسرح المهجر السوداني”. في عواصم مثل القاهرة، كمبالا، وبعض المدن الأوروبية، بدأت الفرق السودانية في التجمع من جديد لتقديم عروضها.
هذا المسرح في المهجر يلعب دوراً مزدوجاً؛ فهو من جهة يمثل متنفساً وتجمعاً ثقافياً يربط الجاليات السودانية بوطنها المفقود ويخفف من آلام الغربة، ومن جهة أخرى، يمثل منصة تعريفية تقدم الثقافة والفنون السودانية للمجتمعات المضيفة. النصوص المسرحية المكتوبة في المهجر تتسم بنوستالجيا (حنين) حادة، وتطرح أسئلة وجودية قاسية حول معنى الوطن، الانتماء، وفقدان الديار.
التحديات الماثلة: غياب الدعم وضعف البنية المؤسسية
رغم الروح الوثابة والإنجازات المذهلة للمسرح المستقل، إلا أننا في “الساحة نت” يجب أن نسلط الضوء على المعوقات التي تهدد استمرارية هذه النهضة. أولاً، الأزمة الاقتصادية وغياب التمويل: صناعة المسرح مكلفة، والاعتماد على الجهود الذاتية لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. غياب الرعاية من القطاع الخاص للأنشطة الثقافية يجعل الممثل السوداني يعمل في ظروف قاهرة، حيث لا يتقاضى أجراً يوازي جهده، مما يدفعه أحياناً لهجر المسرح بحثاً عن وظائف أخرى تضمن له العيش الكريم.
ثانياً، انعدام المسارح المجهزة: تعاني العاصمة والولايات من نقص حاد في دور العرض المجهزة بالإضاءة الحديثة وأنظمة الصوت (Acoustics) المناسبة. الاعتماد الدائم على الفضاءات البديلة يحد من قدرة المخرجين على تقديم سينوغرافيا (تصميم بصري ومكاني) متطورة تتناسب مع طموحاتهم الإبداعية. كما أن غياب الدعم الإعلامي الرسمي يترك هذه العروض الرائعة حبيسة النطاق الضيق لرواد مواقع التواصل الاجتماعي.
الخلاصة: المسرح كحجر زاوية للنهضة القادمة
في نهاية هذا التحقيق الثقافي الشامل، نخلص إلى حقيقة لا تقبل الشك: المسرح السوداني كائن عنيد يرفض الموت. إن ما تقوم به الفرق المستقلة اليوم ليس مجرد نشاط فني، بل هو عمل بطولي بامتياز. إنهم يعيدون بناء الوجدان السوداني الذي مزقته الصراعات، ويقدمون مساحة للتسامح، للحوار، وللفهم المتبادل.
إن نهضة السودان القادمة لا يمكن أن تعتمد على السياسة والاقتصاد وحدهما، بل تحتاج إلى نهضة ثقافية واعية، والمسرح هو رأس الرمح في هذه المعركة. رسالتنا للجهات المعنية ورجال الأعمال وكل مهتم بالشأن السوداني هي ضرورة الالتفات لهذه الطاقات الشبابية الجبارة ودعمها، ليعود المسرح القومي وكل مسارح الولايات لتضيء ليالي السودان، ولتستمر الخشبة في أداء دورها الأسمى: أن تكون مرآتنا الصادقة التي نرى فيها عيوبنا لنصلحها، ونرى فيها جمالنا لنعتز به.