السافنا، القائد الميداني المنشق عن قوات الدعم السريع، عاد إلى واجهة المشهد السوداني بتصريحات مثيرة أطلقها خلال مؤتمر صحفي في الخرطوم، معلنًا انضمامه إلى القوات المسلحة السودانية، واستعداده للتحرك ميدانيًا في محاور كردفان ودارفور، وصولًا إلى منطقة أم دافوق، في خطوة تعكس تصاعد البعد العسكري والإعلامي في الحرب الدائرة بالبلاد.
وظهر علي رزق الله، المعروف بلقب “السافنا”، في المؤتمر مرتديًا الزي العسكري، وقال إنه سيقاتل إلى جانب الجيش والقوات المساندة ضد قوات الدعم السريع، معتبرًا أن القوات المسلحة تمثل “العمود الفقري” للبلاد. وبحسب ما نقلته سودان تربيون، أعلن السافنا أنه سيقود عمليات قتالية في كردفان ودارفور حتى أم دافوق، وهي منطقة حدودية تحمل أهمية رمزية وميدانية في سياق الصراع الحالي.
وتجاوزت تصريحات السافنا حدود الإعلان عن التحرك الميداني، إذ قدم رواية واسعة عن الوضع الداخلي لقوات الدعم السريع، متحدثًا عن ما وصفه بحالة انهيار وتدهور داخل المنظومة العسكرية والسياسية للمجموعة. وزعم أن قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” أُصيب منذ بدايات الحرب أمام القيادة العامة في الخرطوم، وأنه أصبح “مغيبًا عن القرار”، وهي رواية نقلتها عدة وسائل، لكنها تبقى في إطار تصريحات السافنا ولم تصدر بشأنها تأكيدات مستقلة من طرف محايد.
كما اتهم السافنا جهات خارجية بالتحكم في قرارات الدعم السريع، وخصّ الإمارات بالاتهام، قائلًا إن القرار داخل المجموعة لم يعد سودانيًا خالصًا، وإن أي محاولة للخروج عن هذه التوجيهات قد تواجه بتصفية داخلية. وتعد هذه الاتهامات من أكثر أجزاء المؤتمر حساسية، لأنها تتصل بملف التدخلات الخارجية في الحرب السودانية، وهو ملف حاضر بقوة في الخطاب السياسي والإعلامي منذ اندلاع الصراع، لكنه يحتاج دائمًا إلى التعامل معه بحذر مهني، لأن أغلب المعلومات المتداولة فيه تأتي من أطراف منخرطة في النزاع.
وفي سياق حديثه عن الصراعات الداخلية، تحدث السافنا عن مقتل قيادات بارزة داخل الدعم السريع، بينهم القائد المعروف “جلحة”، إلى جانب أسماء أخرى، وربط ذلك بخلافات وتوجيهات داخلية. كما تحدث عن قيادات قال إنها وُضعت تحت الإقامة الجبرية في الخارج. هذه المعلومات، رغم تداولها في أكثر من منصة، لا تزال منسوبة إلى السافنا نفسه، ولذلك لا يمكن التعامل معها كحقائق نهائية إلا إذا ظهرت تأكيدات مستقلة أو بيانات من جهات موثوقة.
وفي جانب آخر، تناول السافنا ما وصفه بملف الاحتجازات داخل معتقل دقريس، قائلًا إن آلاف المدنيين والعسكريين محتجزون في أوضاع قاسية، وإن عمليات تصفية جرت داخل المعتقل. وقد نقلت الترا سودان وروسيا اليوم حديثه عن دقريس ضمن تغطية المؤتمر، لكن طبيعة هذه الاتهامات الإنسانية والحقوقية تجعلها بحاجة إلى تحقيق مستقل من جهات حقوقية أو أممية، خاصة أنها تتعلق بمزاعم احتجاز وانتهاكات واسعة.
وتحمل عودة السافنا إلى الخرطوم وإعلانه القتال إلى جانب الجيش دلالة سياسية وعسكرية لافتة، خصوصًا أنه كان من القيادات المرتبطة سابقًا بالدعم السريع قبل أن ينشق عنه. وتأتي هذه العودة في وقت تشهد فيه الجبهات الغربية والجنوبية الغربية من السودان تحولات متواصلة، مع استمرار العمليات العسكرية في كردفان ودارفور، وتزايد الحديث عن إعادة ترتيب القوى المتحالفة مع الجيش أو المناوئة للدعم السريع.
ومن الناحية العسكرية، فإن إعلان التحرك نحو كردفان ثم أم دافوق يعني أن السافنا يحاول تقديم نفسه كجزء من معركة أوسع لا تقتصر على الخرطوم أو الوسط، بل تمتد إلى المناطق الحدودية التي تشكل عمقًا حيويًا لمسارات الإمداد والحركة. كردفان تحديدًا أصبحت خلال الأشهر الماضية واحدة من أهم ساحات الحرب، بسبب موقعها الرابط بين الوسط والغرب، وبسبب ارتباطها المباشر بمسارات دارفور والنيل الأبيض ومناطق التماس المختلفة.
لكن أهمية المؤتمر لا تكمن فقط في ما أعلنه السافنا، بل في التوقيت نفسه. فظهوره في الخرطوم بعد عودته، وحديثه بلهجة هجومية ضد الدعم السريع، يأتي في مرحلة يسعى فيها كل طرف إلى تعزيز روايته السياسية والعسكرية أمام الرأي العام. لذلك يمكن قراءة المؤتمر باعتباره رسالة متعددة الاتجاهات: رسالة للجيش بأنه أصبح في صفه ميدانيًا، ورسالة للدعم السريع بأن الانشقاقات قد تتحول إلى عامل ضغط داخلي، ورسالة للجمهور السوداني بأن الحرب ما زالت تتحرك نحو مراحل جديدة.
ومع ذلك، فإن التعامل الإعلامي مع تصريحات السافنا يحتاج إلى توازن واضح. فالرجل طرف في الصراع، وتصريحاته تحمل قيمة خبرية وسياسية، لكنها ليست بديلًا عن التحقق المستقل. لذلك يبقى الأهم في هذه المرحلة هو متابعة ما إذا كان إعلانه عن التحرك نحو كردفان وأم دافوق سيتحول إلى خطوات ميدانية فعلية، وما إذا كانت الاتهامات التي أطلقها ستجد ما يؤكدها من مصادر أخرى، أم ستبقى جزءًا من الحرب الإعلامية المصاحبة للصراع السوداني.