أمبدة عاشت مساءً حزينًا جديدًا بعد سقوط طائرة مسيّرة وسط أحد أحيائها السكنية في دار السلام مربع 43، في حادثة أودت بحياة طفل وأصابت آخرين، لتضيف فصلًا موجعًا جديدًا إلى معاناة المدنيين في أم درمان، وتؤكد مرة أخرى أن الأحياء السكنية ما تزال تدفع ثمن الحرب بصورة مباشرة ومؤلمة.
وأعلنت ولاية الخرطوم مقتل مواطن وإصابة آخرين إصابات طفيفة إثر هجوم بطائرة مسيّرة استهدف المنطقة مساء الجمعة، فيما تفقد والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة موقع الاستهداف ميدانيًا، وقدّم واجب العزاء، مؤكدًا أن استهداف الأحياء السكنية يعكس حجم الانتهاكات الواقعة بحق المدنيين، خاصة في وقت بدأت فيه أعداد من الأسر تعود إلى مناطقها بعد فترات نزوح طويلة.
وبحسب مصادر محلية وشهود عيان نقلت عنهم وسيلة إعلام سودانية، فإن الضحية هو الطفل عرفات عثمان، ويبلغ من العمر 13 عامًا، بينما أُصيب شقيقه محمد عثمان، إلى جانب شاب آخر يدعى عبد الله محمد يبلغ 24 عامًا. وأشارت الروايات المحلية إلى أن المسيّرة سقطت وسط الحي بعد تحليق أكثر من ثلاث مسيّرات على ارتفاع منخفض، ما تسبب في حالة من الذعر والهلع وسط السكان، خصوصًا بين الأطفال والنساء والأسر التي كانت تحاول العودة إلى حياتها الطبيعية داخل المنطقة.
وذكرت شاهدة من سكان أم درمان أن أصوات المضادات الأرضية دوّت في أنحاء المدينة في محاولة للتصدي للمسيّرات، وهو ما يعكس طبيعة التهديد الذي بات يلاحق المدنيين حتى داخل الأحياء السكنية. ومع أن مشهد التحليق المنخفض للمسيّرات بات مألوفًا في بعض مناطق العاصمة خلال الأشهر الماضية، فإن سقوطها داخل الأحياء يضاعف الخطر، لأن ضحاياها في هذه الحالة لا يكونون في جبهات القتال، بل في بيوت وممرات وشوارع مدنية يفترض أن تكون الأكثر أمانًا.
وتحمل هذه الحادثة أبعادًا إنسانية ووطنية عميقة، لأن الضحية طفل، ولأن مكان الاستهداف حي سكني مكتظ، ولأن التوقيت يأتي في مرحلة يحاول فيها المواطنون العودة تدريجيًا إلى مناطقهم بعد شهور طويلة من النزوح. ولذلك فإن الاعتداء على الأحياء السكنية لا يمكن النظر إليه بوصفه حادثًا عابرًا، بل هو مساس مباشر بأمن الناس واستقرارهم وحقهم في الحياة، ويؤكد أن المدنيين ما يزالون في قلب المعاناة اليومية التي خلفتها الحرب.
كما أن زيارة والي الخرطوم للموقع تحمل رسالة مهمة مفادها أن الدولة تقف مع المواطنين في هذه المحنة، وأن استهداف الأحياء السكنية لن يوقف جهود عودة السكان وإعادة الإعمار. وقد شدد الوالي، بحسب ما نقلته المنصات المحلية، على أن هذه الاعتداءات لن تعيق عودة المواطنين إلى مناطقهم، ولن توقف مسار التعافي التدريجي الذي بدأت بعض الأحياء تشهده بعد فترة الحرب والنزوح.
ويأتي هذا التطور في سياق تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب السودانية، حيث لم تعد المسيّرات تُستخدم فقط في الأهداف العسكرية أو الاستطلاعية، بل باتت تمثل تهديدًا مباشرًا للمجتمعات المدنية عندما تسقط أو تُوجَّه نحو مناطق مأهولة. وهذا ما يجعل ملف حماية المدنيين أكثر إلحاحًا، ويضع على المجتمع الدولي والجهات المعنية مسؤولية أخلاقية وقانونية أكبر في إدانة استهداف الأحياء المدنية ومحاسبة كل من يثبت تورطه فيه.
ومن الناحية الوطنية، تكشف مأساة أمبدة حجم التحدي الذي تواجهه العاصمة، لكنها تكشف أيضًا صمود أهلها. فبرغم القصف والخوف والخسائر، ما تزال الأسر تحاول التمسك ببيوتها، والعودة إلى أحيائها، واستئناف حياتها. وهذا الصمود الشعبي يستحق الدعم والحماية، لأنه يمثل الوجه الحقيقي للسودان: شعب يتمسك بأرضه وكرامته وحلمه بالحياة، حتى في أصعب الظروف.
وفي قلب هذه المأساة يبرز اسم الطفل عرفات عثمان كرمز موجع لثمن الحرب على الأبرياء. طفل كان يفترض أن يعيش يومه بين أسرته وأحلامه الصغيرة، فإذا به يتحول إلى خبر حزين في سجل طويل من خسائر المدنيين. إن استشهاد الأطفال وإصابة المدنيين داخل الأحياء لا يضيف فقط إلى أرقام الضحايا، بل يترك جرحًا في ضمير الوطن كله، ويجعل الحاجة إلى حماية المدنيين أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
كما أن ما جرى في دار السلام مربع 43 يعيد التذكير بأن معركة السودان ليست فقط معركة ميدان، بل معركة بقاء مجتمع ودولة وكرامة شعب. وعندما تُستهدف الأحياء السكنية، تصبح الأولوية الوطنية مضاعفة: دعم القوات المسلحة في حماية البلاد، وتعزيز قدرات الدفاع والتأمين، وإسناد الجهود التي تمنع تكرار مثل هذه المآسي في مناطق المدنيين.
وتبقى أمبدة، مثل بقية أحياء أم درمان، جزءًا أصيلًا من صمود العاصمة. ورغم الألم الذي خلّفه سقوط المسيّرة، فإن الرسالة الوطنية الأوضح من هذا الحدث هي أن السودانيين لن تنكسر إرادتهم، وأن دماء الأبرياء ستبقى شاهدًا على ضرورة حماية الوطن واستعادة الأمن، ومحاسبة كل من يستهدف المدنيين ويعبث باستقرار الأحياء الآمنة.