مكارم بشير، الفنانة السودانية المعروفة، اختارت أن تخاطب جمهورها برسالة وجدانية في الأيام المباركة التي تسبق عيد الأضحى، داعية إلى نبذ الفتن والابتعاد عن الشر، والتمسك بالخير والتسامح باعتبارهما الطريق الأهم لاستقرار المجتمع وحفظ العلاقات بين الناس.
وجاءت رسالة مكارم عبر صفحتها على فيسبوك، حيث عبّرت عن أمنياتها بأن يرزق الله من لم يتمكن من أداء فريضة الحج هذا العام فرصة زيارة بيته الحرام وأداء المناسك في قادم الأيام، ووصفت من اختارهم الله لضيافته بأنهم نالوا “بختًا عظيمًا”، في إشارة وجدانية إلى مكانة الحج في نفوس المسلمين، وما يحمله موسم العيد من معانٍ روحية واجتماعية عميقة.
ولم تكتف الفنانة السودانية بالجانب الديني والدعائي، بل وجهت رسالتها إلى عمق العلاقات الاجتماعية، مطالبة الناس بعدم الانجرار وراء الفتن أو إشعال النيران في القلوب، وداعية إلى أن يكون الإنسان “محضر خير” لا سببًا في الخصام أو الظلم أو الكراهية. وهذه العبارة، ببساطتها، تحمل معنى اجتماعيًا سودانيًا واضحًا، إذ ترتبط بثقافة الإصلاح بين الناس، وتغليب الكلمة الطيبة، ورفض كل ما يزرع الفرقة داخل المجتمع.
وتأتي رسالة مكارم بشير في توقيت له خصوصية كبيرة لدى السودانيين، حيث يحل عيد الأضحى على كثير من الأسر وسط ظروف استثنائية فرضتها الحرب والنزوح والضغوط الاقتصادية والاجتماعية. وفي مثل هذه الأوقات، تصبح كلمات الفنانين والشخصيات العامة أكثر تأثيرًا، لأنها لا تخاطب الجمهور من زاوية الفن وحده، بل من زاوية الوجدان المشترك والهم الوطني والاجتماعي.
وتحمل رسالة مكارم بعدًا إنسانيًا مهمًا، لأنها تذكّر بأن العيد ليس مجرد مناسبة للفرح الظاهري، بل فرصة للمراجعة، والتسامح، وترميم العلاقات، والتخفيف عن الناس بالكلمة الطيبة والموقف النبيل. فالمجتمع السوداني، بما مرّ به من أوجاع خلال السنوات الأخيرة، يحتاج إلى خطاب يخفف الاحتقان، ويعيد الاعتبار لقيم الرحمة والجيرة والأهل والناس.
كما أن دعوتها إلى عدم “تأجيج النيران” في القلوب تبدو مرتبطة بحالة عامة من التوتر الاجتماعي التي صنعتها الحرب والانقسام وتبادل الاتهامات. فالأزمات لا تترك أثرها في السياسة والاقتصاد فقط، بل تصل إلى البيوت والعلاقات والمجتمعات الصغيرة، ولذلك فإن الدعوة إلى الخير في موسم العيد تصبح دعوة إلى حماية النسيج الاجتماعي السوداني من مزيد من التمزق.
وتُعرف مكارم بشير بحضورها القريب من جمهورها، وبخطابها العاطفي الذي يلامس السودانيين داخل البلاد وخارجها. ولذلك جاءت رسالتها هذه أقرب إلى وصية اجتماعية منها إلى منشور عابر، فهي تخاطب الناس بلغة بسيطة ومباشرة، وتدعوهم إلى ترك الشر، وعدم ظلم الآخرين، والابتعاد عن الأحاديث التي تؤذي وتفرق، خاصة في أيام يفترض أن تكون للصفاء والتقارب.
ومن الناحية الثقافية، تكشف هذه الرسالة عن الدور الذي يمكن أن يلعبه الفنانون في دعم السلم الاجتماعي، خصوصًا عندما يستخدمون حضورهم الجماهيري في نشر خطاب إيجابي. فالفن في السودان لم يكن يومًا منفصلًا عن المجتمع، بل ظل مرتبطًا بالمناسبات والوجدان العام، من الأفراح والأعياد إلى أوقات الحزن والشدائد. ومن هنا تأتي قيمة رسالة مكارم، لأنها تضع الفنان في موقع القريب من الناس، لا البعيد عن همومهم.
وتبدو عبارة “كونوا محضر خير” هي جوهر الرسالة كلها. فهي تختصر ما يحتاجه المجتمع في هذه المرحلة: شخص يصلح ولا يفسد، يهدئ ولا يشعل، يقرّب ولا يفرّق، ويفتح باب التسامح بدل أن يوسع مساحة الخصام. وهذه المعاني تكتسب أهمية مضاعفة قبل عيد الأضحى، حيث تجتمع الأسر، وتتجدد الصلات، وتعود المناسبات الاجتماعية إلى الواجهة.
وفي ظل وجود ملايين السودانيين في الداخل والخارج، تحمل رسائل العيد طابعًا خاصًا؛ فهناك من يستقبل العيد بعيدًا عن بيته، ومن ينتظر عودة الأمان، ومن يعيش ظروفًا صعبة، ومن يحتاج إلى كلمة طيبة ترد إليه شيئًا من الطمأنينة. ولذلك فإن خطابًا وجدانيًا مثل رسالة مكارم بشير يجد صداه لأنه يلامس واقع الناس، ولا يكتفي بالمجاملة الموسمية.
وتؤكد رسالة الفنانة السودانية أن الخير ما زال قادرًا على جمع السودانيين، وأن الأعياد يجب أن تكون مناسبة للتراحم والتسامح لا للخصام والشماتة. وفي وقت يحتاج فيه السودان إلى رأب الصدع الاجتماعي، تظل الكلمات الصادقة جزءًا من طريق التعافي، لأنها تذكّر الناس بأن بناء الوطن يبدأ أيضًا من القلب والبيت واللسان.
وبين الدعاء للحجاج، والدعوة إلى نبذ الفتن، والتمسك بالخير، قدمت مكارم بشير رسالة عيد تحمل طابعًا سودانيًا أصيلًا، يقول إن المجتمع لا يستقر بالكلام الجارح ولا بالتحريض، بل بالرحمة، والتسامح، والإصلاح، وحفظ الود بين الناس. وتبقى هذه الرسالة مناسبة لزمن يحتاج فيه السودان إلى كل صوت يدعو للخير، ويجمع القلوب، ويعيد للعيد معناه الإنساني والوطني.