مهرجان السودان في الإمارات لم يمرّ كفعالية ثقافية عادية عند كثير من السودانيين، لأنه جاء في توقيت شديد الحساسية، بينما كانت أحياء سودانية في أم درمان، وعلى رأسها أمبدة، تعيش مأساة سقوط مسيّرة وسط المدنيين، وسقوط طفل بريء وإصابة آخرين. وفي مثل هذا الظرف الوطني الجارح، يصبح السؤال مشروعًا: هل كان هذا وقت الرقص والغناء والرسائل الدافئة باسم السودان؟ أم كان الأجدر أن تُخفض الأصوات احترامًا لدماء الأبرياء ومعاناة الأسر والجنود والنازحين؟
الفعالية التي حملت عنوانًا ناعمًا مثل “الإمارات تحب السودان” قُدمت باعتبارها مهرجانًا ثقافيًا وتراثيًا يعكس عمق الروابط بين الشعبين، واستضافها مركز دبي الدولي للمعارض بمدينة إكسبو، بحضور رسمي وجماهيري كبير. ووفق وكالة أنباء الإمارات وصحيفة الخليج، حضر الحدث نحو 25 ألف شخص، وشارك فيه فنانون سودانيون بينهم إنصاف مدني ومحمد بشير ويوسف البربري ود. عمر الأمين، إلى جانب فقرات فولكلورية وتراثية سودانية.
لكن المشكلة ليست في عرض التراث السوداني بحد ذاته. فالثقافة السودانية عظيمة، والفن السوداني جزء أصيل من وجدان الشعب، والجاليات السودانية في الخارج تحتاج إلى ما يجمعها ويحفظ هويتها. المشكلة الحقيقية في التوقيت، وفي الرسالة، وفي من يتحدث باسم السودان، وفي الصمت المؤلم تجاه الدم السوداني الذي يسيل في الداخل.
في اليوم نفسه تقريبًا، كانت أمبدة تعيش مأساة سقوط طائرة مسيّرة في دار السلام، ما أدى إلى مقتل الطفل عرفات عثمان وإصابة آخرين، وفق ما نقلته دارفور24 ومصادر محلية، بينما أعلنت ولاية الخرطوم مقتل مواطن وإصابة آخرين إثر هجوم بمسيّرة على دار السلام مربع 43 بمحلية أمبدة. هذه ليست تفاصيل هامشية؛ هذه أرواح سودانية، وأطفال، وأسر، وأحياء تحاول العودة إلى الحياة بعد النزوح والخوف.
لذلك، فإن أي خطاب احتفالي يقول باسم السودان إن “الإمارات تحب السودان” في هذا الظرف، يحتاج إلى مراجعة أخلاقية ووطنية جادة. من أعطى أي رئيس جالية، أو فنان، أو منظم فعالية، حق الحديث باسم السودانيين جميعًا؟ الجالية السودانية في أي دولة ليست كتلة واحدة، ولا يحق لأي شخص أن يقدم موقفًا سياسيًا أو عاطفيًا باسم شعب يدفن أطفاله، ويودع جنوده، وينتظر عودة الأمن إلى بيوته.
رئيس الجالية، الدكتور الأمين جعفر أحمد طه، من حقه أن يتحدث باسمه أو باسم الجهة التي يمثلها إداريًا، لكن ليس من حق أي شخص أن يمنح صكًا عامًا باسم السودان في لحظة يختلف فيها السودانيون بعمق حول المواقف الإقليمية، وحول من وقف مع الدولة ومن وقف ضدها، وحول من صمت ومن تكلم، ومن دعم ومن تفرج. السودان ليس قاعة احتفال، وليس منصة علاقات عامة، وليس لافتة تُرفع في مهرجان ثم تُطوى بعد نهاية الحفل.
أما الفنانون المشاركون، فالسؤال في حقهم ليس سؤالًا فنيًا فقط، بل سؤال ضمير. د. عمر الأمين، يوسف البربري، إنصاف مدني، ومحمد بشير أسماء لها جمهور سوداني، والجمهور من حقه أن يسأل: هل كان مناسبًا أن تتحول الأغنية السودانية إلى خلفية احتفالية في وقت تتساقط فيه المسيّرات على الأحياء، ويُقتل الأطفال، وتعيش الأسر السودانية بين النزوح والخوف؟ الفن ليس مطلوبًا منه أن يوقف الحرب، لكنه مطالب على الأقل ألا يبدو منفصلًا عن وجع الناس.
ليس المطلوب شتيمة الفنانين، ولا تخوين كل من حضر، ولا إصدار أحكام نهائية على النوايا. لكن المطلوب موقف واضح: من يغني باسم السودان يجب أن يحترم جرح السودان. ومن يرفع التراث السوداني على المسرح يجب أن يتذكر أن هذا التراث نفسه قائم على الكرامة والنخوة وحرمة الدم والوقوف مع المظلوم. الغناء فوق الوجع، دون كلمة عزاء أو موقف إنساني واضح، يتحول في نظر كثيرين إلى سقوط في التقدير الوطني.
الوجع الأكبر أن مثل هذه الفعاليات تُستخدم أحيانًا لتلميع صورة سياسية أو تخفيف ضغط إعلامي، بينما الشعب السوداني يعيش لحظة وجودية. وهنا يصبح واجبًا على كل سوداني في الخارج، خاصة من يملك منصة أو جمهورًا أو صفة تمثيلية، أن ينتبه: لا تجعلوا الثقافة غطاءً للصمت، ولا تجعلوا الفن بديلًا عن الموقف، ولا تتحدثوا باسم شعب لم يمنحكم تفويضًا.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مهرجانات ترفع شعارات المحبة بينما مدنه تُقصف، بل يحتاج إلى مواقف تحترم دماء المدنيين والجنود، وتدعم الدولة السودانية ومؤسساتها، وتدين استهداف الأحياء، وتنتصر لوحدة البلاد وكرامة شعبها. لا يمكن أن يكون الوطن في الداخل تحت النار، وفي الخارج منصة للرقص ورسائل المجاملة السياسية.
من حق السودانيين أن يغضبوا. ومن حق أسر الضحايا أن تشعر بأن هذا المشهد جارح. ومن حق المواطن الذي يسمع أصوات المسيّرات فوق بيته أن يرفض أن يتحدث أحد باسمه في قاعة مضاءة، بينما هو يعيش في الظلام والخوف. الوطنية ليست شعارًا يُقال في الاحتفالات، بل موقف يظهر وقت الامتحان.
وتبقى الرسالة الواضحة: السودان أكبر من أي مهرجان، وأكرم من أي منصة، وأغلى من أي مجاملة. ومن أراد أن يحب السودان حقًا، فليبدأ باحترام جراحه، والوقوف مع شعبه، وإدانة استهداف مدنييه، ودعم حقه في دولة آمنة وجيش واحد وسيادة لا تُباع ولا تُساوم.