أخبار السودان تتصدرها اليوم تطورات سياسية متسارعة وتصريحات حاسمة ترسم ملامح المرحلة المقبلة في مسار الدولة وبناء مؤسساتها التنفيذية. ففي خطوة تعكس الحراك السياسي المكثف الداعم لمؤسسات الدولة الشرعية، فجّر مبارك أردول، مساعد رئيس الكتلة الديمقراطية، مفاجأة سياسية من العيار الثقيل بإعلانه عن مساعٍ وتحركات جادة لتشكيل حكومة مدنية تدير شؤون البلاد خلال فترة زمنية لا تتجاوز الستة أشهر. وأوضح أردول أن هذه الحكومة المرتقبة ستشهد مشاركة فاعلة للقوى الوطنية والمدنية التي وقّعت على التفاهمات ومخرجات اتفاق “أديس أبابا” الأخير، وفي مقدمتها تحالف “صمود”، في خطوة تهدف لتوحيد الجبهة الداخلية لسد الفراغ التنفيذي ودفع عجلة الاستقرار الداخلي.
وتأتي تصريحات أردول في توقيت مفصلي من تاريخ البلاد، حيث تعكف القوات المسلحة السودانية على تطهير البلاد من دنس التمرد. وأشار مساعد رئيس الكتلة الديمقراطية إلى أن تحالف “صمود” والقوى المتحالفة معه يحظون بدعم شعبي وسياسي واسع النطاق. وشدد على أن الحوار السياسي الجاري يجب أن يتركز بشكل أساسي حول القوى الوطنية الخالصة التي تلتزم صراحة بمبادئ الحكم المدني والديمقراطية، وتعمل تحت مظلة سيادة الدولة بعيداً عن التدخلات الإقليمية أو الأجندات المشبوهة. وأضاف أن الخطوات العملية المقبلة على الساحة السياسية ستشمل البدء في مناقشة آليات تشكيل “لجنة تحضيرية” عليا، تأخذ على عاتقها مسؤولية تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في الاجتماعات التشاورية السابقة.
وفي حديثه التفصيلي عبر شاشة قناة الجزيرة مباشر، وجه أردول رسائل قوية حول ضرورة تسريع الإجراءات المتعلقة باستكمال المسار الديمقراطي والمؤسسي. وأكد أن هذا التوجه الصارم لا يمثل فقط رغبة النخب السياسية، بل يعكس في جوهره المطالب المشروعة لقطاعات واسعة من أبناء الشعب السوداني الذين يتطلعون لبناء دولة المؤسسات والقانون. وأوضح أن إعادة بناء أجهزة الدولة ومرافقها الحيوية، بعد الدمار الممنهج الذي خلفته حرب المليشيات، تتطلب التزاماً وطنياً واضحاً وصريحاً بالانتقال المدني السلس، يقوده كفاءات وطنية تساند القوات المسلحة في استعادة الأمن وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين.
وفيما يخص الجانب الأمني والسياسي والتداعيات الناجمة عن تمرد مليشيا الدعم السريع، أطلق أردول موقفاً حازماً يعبر عن توجه القوى المدنية الوطنية. فقد طالب بشكل قاطع بضرورة ابتعاد قائد المليشيا المتمردة، محمد حمدان دقلو، تماماً عن المشهد السياسي السوداني. وشدد على أن مسار بناء الدولة الحديثة يتطلب استبعاد كل من تورط في سفك دماء السودانيين ونهب ممتلكاتهم، مؤكداً ضرورة تضافر الجهود المدنية والعسكرية لدعم مسار وطني شامل يؤدي في النهاية إلى بناء دولة موحدة ومستقرة، تمتلك جيشاً وطنياً مهنياً واحداً يأتمر بأمر القيادة الشرعية ويحمي الدستور والحدود.
ويرى مراقبون للمشهد السياسي أن هذه التحركات التي تقودها الكتلة الديمقراطية، بالتناغم مع تحالف صمود، تمثل خطوة متقدمة لتوحيد الصف الوطني المدني. فالمرحلة الحالية، التي تسطر فيها القوات المسلحة السودانية انتصارات ميدانية في “معركة الكرامة” لدحر المليشيا الإرهابية، تتطلب بالضرورة ظهيراً سياسياً وحكومة كفاءات مدنية تتولى إدارة الملفات الاقتصادية والدبلوماسية المعقدة، وتقطع الطريق أمام محاولات اختطاف القرار السوداني من قبل داعمي التمرد.