قيادات سياسية سودانية وصلت إلى العاصمة الكينية نيروبي للمشاركة في اجتماعات سياسية تمتد يومي 22 و23 مايو، تمهيدًا للتوقيع على إعلان سياسي جديد يهدف إلى تطوير الوثيقة التي وُقّعت في ديسمبر 2025 تحت اسم “إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد”، في خطوة تأتي وسط جدل واسع حول دور القوى المدنية في الأزمة السودانية، وحدود علاقتها بمسار الحرب والتسوية السياسية.
وبحسب المعلومات المتداولة، تضم الاجتماعات شخصيات سياسية وحزبية بارزة، من بينها رئيس تحالف “صمود” عبد الله حمدوك، وقائد حركة تحرير السودان عبد الواحد محمد نور، ورئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير، ورئيس حزب البعث العربي الاشتراكي – الأصل علي الريح السنهوري، إلى جانب بابكر فيصل من التجمع الاتحادي، وياسر عرمان من الحركة الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي، والواثق البرير من حزب الأمة القومي، وكمال بولاد من حزب البعث.
وتستند الاجتماعات الجديدة إلى وثيقة سياسية سابقة وُقّعت في نيروبي في منتصف ديسمبر 2025، وشاركت فيها قوى سياسية وحركات مدنية ومسلحة، بينها حركة تحرير السودان، المؤتمر السوداني، التجمع الاتحادي، حزب الأمة القومي، الحركة الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي، وأحزاب أخرى. وطرحت الوثيقة آنذاك رؤية تقول إن الحرب لا يمكن حسمها عسكريًا، وإن الحل يجب أن يقوم على وقف القتال، ومعالجة الكارثة الإنسانية، وبناء مسار سياسي جديد.
غير أن التحرك الجديد في نيروبي لا يأتي في فراغ سياسي، بل وسط حالة انقسام حاد في السودان حول طبيعة المبادرات الخارجية، وموقع القوى المدنية من الحرب، ومدى قدرة هذه الاجتماعات على إنتاج موقف وطني جامع لا يساوي بين الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية وبين قوات الدعم السريع التي أشعلت الحرب وارتبط اسمها بانتهاكات واسعة في الخرطوم ودارفور والجزيرة ومناطق أخرى.
ويواجه تحالف “صمود” وعدد من القوى المتحالفة معه انتقادات متكررة من أطراف سياسية وعسكرية وشعبية، ترى أن خطابه حول “لا للحرب” لا يكون كافيًا إذا لم يتضمن موقفًا واضحًا من الانتهاكات ومن استهداف الدولة ومؤسساتها. فالسودانيون الذين دفعوا ثمن الحرب من نزوح ودمار وفقدان للأمن لا ينتظرون شعارات عامة، بل يريدون موقفًا سياسيًا يضع حماية الوطن ووحدة السودان وكرامة المواطنين فوق أي حسابات حزبية أو إقليمية.
وتؤكد القوى المشاركة في مثل هذه الاجتماعات أن هدفها هو وقف الحرب وفتح طريق لتسوية سياسية شاملة، لكن هذا الطرح يظل موضع اختبار أمام الرأي العام السوداني. فالدعوة إلى السلام لا تكتسب قوتها من العناوين وحدها، بل من وضوحها في تحديد المسؤوليات، ورفض المليشيات، ودعم قيام جيش وطني واحد، وحماية سيادة السودان من أي تدخل خارجي أو مشاريع تفكيك.
وتزداد حساسية هذه الاجتماعات بسبب انعقادها خارج البلاد، وفي عاصمة إفريقية لعبت خلال الفترة الماضية دورًا في استضافة لقاءات سياسية سودانية مثيرة للجدل. ورغم أن العمل السياسي في الخارج أصبح واقعًا فرضته الحرب واللجوء والتشتت، فإن قطاعات واسعة من السودانيين تنظر بحذر إلى أي إعلان سياسي لا ينطلق من احترام الدولة السودانية ومؤسساتها، ولا يراعي التضحيات التي قدمها المواطنون والقوات المسلحة في مواجهة انهيار الأمن وتمدد الفوضى.
ومن الناحية السياسية، تسعى الاجتماعات إلى تطوير “إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد”، وهي وثيقة أكدت في نسختها السابقة على وقف الحرب، وحماية المدنيين، والانتقال المدني الديمقراطي، واستبعاد قوى الحرب من تقرير مستقبل البلاد. كما أشار نص الوثيقة المنشور إلى دعم ما ورد في إعلان الرباعية الصادر في سبتمبر 2025، والذي ارتبط بدور الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات في الدفع نحو مسار سياسي.
لكن الأزمة السودانية لم تعد تحتمل وثائق فضفاضة أو تسويات رمادية. فالمطلوب في هذه المرحلة ليس فقط إعلانًا سياسيًا جديدًا، بل موقفًا وطنيًا واضحًا يحفظ وحدة السودان، ويمنع تكرار سيناريوهات التقسيم، ويعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، ويفتح الباب أمام عملية سياسية لا تمنح شرعية للسلاح الموازي ولا تتجاهل حقوق الضحايا.
وتبدو الإشارة إلى القوى المسلحة والحركات ضمن هذه الاجتماعات ذات أهمية خاصة، لأن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على تعدد الجيوش والولاءات. وأي إعلان سياسي جاد يجب أن يضع في قلبه مبدأ الجيش الواحد، والسلاح الواحد، والدولة الواحدة. فالتجربة السودانية أثبتت أن الترتيبات التي تُبقي السلاح خارج سلطة الدولة لا تصنع سلامًا دائمًا، بل تؤجل الانفجار إلى جولة جديدة من الحرب.
كما أن الحديث عن مراجعة الوثيقة السابقة يأتي في وقت تشهد فيه الساحة السودانية تحولات ميدانية وسياسية، بينها انشقاقات داخل قوات الدعم السريع، وتحركات عسكرية في عدة محاور، ومساعٍ لإعادة ترتيب العاصمة، إلى جانب ضغوط إنسانية كبيرة يعيشها ملايين النازحين واللاجئين. لذلك فإن أي إعلان جديد سيُقاس بقدرته على مخاطبة هذه الوقائع، لا بمجرد قدرته على جمع قيادات سياسية في قاعة واحدة.
وتبقى القوات المسلحة السودانية في قلب المعادلة الوطنية، باعتبارها المؤسسة النظامية التي يرتبط بها بقاء الدولة ووحدة التراب الوطني. وهذا لا يعني إغلاق الباب أمام الحل السياسي، بل يعني أن أي حل سياسي لا يحترم وجود الدولة ومؤسساتها ولا يضع تفكيك المليشيات ودمج السلاح تحت سلطة وطنية واحدة في مقدمة أولوياته، سيبقى ناقصًا ومرفوضًا لدى قطاعات واسعة من السودانيين.
وفي المقابل، فإن القوى السياسية المشاركة في نيروبي أمام فرصة لإثبات أن مشروعها لا يقوم على إضعاف الدولة، ولا على منح غطاء سياسي لقوات الدعم السريع أو أي قوة مسلحة خارج المؤسسة الوطنية، بل على إنتاج رؤية مسؤولة توقف الحرب وتحفظ السودان موحدًا، وتعيد المدنيين إلى بيوتهم، وتفتح طريقًا للعدالة والمحاسبة والإعمار.
وبذلك، فإن اجتماعات نيروبي تمثل اختبارًا سياسيًا جديدًا للقيادات السودانية في الخارج. فإما أن تنتج إعلانًا واضحًا ينحاز لوحدة السودان وسيادة الدولة وحق المواطنين في الأمن، وإما أن تضيف وثيقة جديدة إلى رصيد المبادرات التي تُقرأ في الداخل باعتبارها بعيدة عن نبض الشارع وتضحياته. وفي هذه المرحلة الدقيقة، لا يحتاج السودان إلى خطاب سياسي ملتبس، بل إلى موقف وطني يضع الدولة والشعب ووحدة البلاد فوق أي اصطفاف أو حساب خارجي.