إبراهيم بقال، الإعلامي المنشق عن قوات الدعم السريع، أثار جدلًا جديدًا بعد حديثه عن القائد الميداني الفاتح عبد الله إدريس، المعروف باسم “أبو لولو”، إذ نفى صحة الرواية التي أعلنتها قوات الدعم السريع بشأن توقيفه أو احتجازه، معتبرًا أن ما جرى كان، بحسب وصفه، “مسرحية” هدفها امتصاص الضغط الإعلامي والغضب الواسع الذي صاحب ظهور مقاطع صادمة من أحداث الفاشر.
وجاءت تصريحات بقال في توقيت حساس، بعد تقرير استقصائي نشرته وكالة رويترز، قال إن أبو لولو عاد إلى القتال في كردفان رغم إعلان قوات الدعم السريع في وقت سابق أنه رهن الاحتجاز. وبحسب التقرير، فإن مصادر عدة، بينها مسؤولون في المخابرات السودانية وقيادات داخل الدعم السريع، قالت إنها شاهدت أبو لولو في ساحة القتال بكردفان خلال مارس الماضي. كما نقلت رويترز عن ضابط تشادي أن بعض القيادات داخل الدعم السريع طالبت بإعادته إلى الميدان لرفع معنويات المقاتلين.
وبحسب ما أورده بقال في تعليقاته المتداولة، فإن أبو لولو “لم يُعتقل أصلًا” حتى يقال إنه أُفرج عنه، مشيرًا إلى أن المشاهد التي ظهرت بشأن احتجازه أو التعامل معه كانت محاولة لإقناع الرأي العام بأن هناك إجراءات داخلية، بينما لم يحدث، وفق روايته، مسار محاسبة حقيقي. كما قال إن الحديث عن محاكمته ظل مجرد ادعاء، لأنه لم يُعرض على أي محكمة منذ أكثر من عام، بحسب ما نُسب إليه.
وتكمن خطورة هذا الملف في أن أبو لولو ليس اسمًا عاديًا داخل مشهد الحرب السودانية، بل أصبح مرتبطًا بوقائع الفاشر التي أثارت إدانات واسعة، بعد انتشار مقاطع نُسبت إليه وهو ينفذ عمليات قتل بحق مدنيين عُزّل. وذكرت رويترز أن مقاطع موثقة أظهرت تورطه في قتل مدنيين خلال هجوم قوات الدعم السريع على الفاشر، وهو ما جعله يُعرف إعلاميًا بلقب “جزار الفاشر”.
وفي المقابل، نفت حكومة “تأسيس” التابعة لقوات الدعم السريع رواية عودة أبو لولو إلى القتال، مؤكدة أنه لا يزال محتجزًا وسيخضع لمحاكمة خاصة. وهذا النفي يعكس استمرار تضارب الروايات بين ما تقوله الجهة التابعة للدعم السريع وما تورده تقارير صحفية دولية ومصادر ميدانية. فقد نقل راديو دبنقا عن رويترز أن مصادر تحدثت عن إطلاق سراح أبو لولو وعودته للقتال، في حين تمسكت قوات الدعم السريع بأنه ما زال في السجن.
وتزيد العقوبات الدولية من حساسية القضية، إذ أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في فبراير 2026 فرض عقوبات على قادة في قوات الدعم السريع بسبب فظائع الفاشر، وقالت إن الدعم السريع ومليشيات متحالفة معه ارتكبت حملة مروعة شملت القتل العرقي والتعذيب والتجويع والعنف الجنسي خلال حصار الفاشر والسيطرة عليها. وتضع هذه العقوبات ملف أبو لولو في سياق أوسع يتعلق بالمحاسبة الدولية على الانتهاكات التي وقعت في دارفور.
ومن الناحية السياسية والإعلامية، فإن حديث إبراهيم بقال يضيف بعدًا جديدًا للجدل، لأنه يأتي من شخصية كانت محسوبة سابقًا على الدعم السريع، ثم انتقلت إلى موقع معارض له. وهذا النوع من الشهادات يلقى اهتمامًا واسعًا لأنه يُقدَّم باعتباره رواية من الداخل، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى تعامل مهني حذر، لأن الحرب السودانية باتت ساحة مفتوحة لتضارب الروايات وحرب المعلومات والضغط الإعلامي بين الأطراف المختلفة.
وتكشف قضية أبو لولو عن سؤال أكبر من مجرد توقيف قائد أو الإفراج عنه: هل توجد داخل قوات الدعم السريع آلية حقيقية للمحاسبة؟ وهل كان إعلان احتجازه خطوة فعلية نحو العدالة، أم محاولة لإدارة الغضب العام بعد انتشار المقاطع؟ تقرير رويترز أعاد هذا السؤال بقوة إلى الواجهة، خاصة بعد حديثه عن أن مصادر داخلية وخارجية رأت أبو لولو في جبهات كردفان بعد فترة من إعلان احتجازه.
كما أن استمرار الجدل حول أبو لولو يفتح ملف العدالة في السودان بصورة أوسع، خصوصًا في ما يتعلق بضحايا الفاشر والمدنيين الذين تعرضوا للقتل والانتهاكات خلال الحرب. فبالنسبة لكثير من السودانيين، لا يكفي إعلان الاحتجاز أو الحديث عن محاكمات داخلية غير واضحة؛ المطلوب هو مسار قضائي شفاف، يحدد المسؤوليات، ويحفظ حق الضحايا، ويمنع تكرار الانتهاكات.
وفي ظل نفي الدعم السريع ورواية رويترز وتصريحات بقال، تبقى الحقيقة الكاملة بحاجة إلى تحقيق مستقل وشفاف. لكن المؤكد أن ملف أبو لولو لم يُغلق، وأن ظهوره مجددًا في سياق الحديث عن كردفان أعاد إلى الذاكرة واحدة من أكثر صفحات الحرب السودانية قسوة. وبين الروايات المتضاربة، تظل أولوية السودانيين واضحة: العدالة للضحايا، ووقف الانتهاكات، وحماية المدنيين، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الجرائم بحق الشعب السوداني.