منتخب السودان وجد نفسه أمام تحدٍ قاري كبير بعد أن أوقعته قرعة تصفيات كأس أمم إفريقيا 2027 في المجموعة العاشرة إلى جانب منتخبات السنغال وموزمبيق وإثيوبيا، في مجموعة تبدو قوية ومفتوحة على حسابات صعبة، لكنها في الوقت نفسه تمنح “صقور الجديان” فرصة مهمة لاختبار جاهزيتهم والعودة بثقة إلى الساحة الإفريقية.
وأُجريت قرعة التصفيات يوم الثلاثاء 19 مايو 2026 في القاهرة، تحت إشراف الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، بمشاركة 48 منتخبًا جرى توزيعها على 12 مجموعة، تضم كل مجموعة 4 منتخبات. وستكون الطريق إلى نهائيات 2027 عبر نظام الذهاب والإياب، بمجموع 6 جولات لكل منتخب، ما يعني أن المنتخب السوداني سيخوض مواجهات داخل وخارج الأرض أمام السنغال وموزمبيق وإثيوبيا.
وتحمل المجموعة العاشرة طابعًا خاصًا بالنسبة للسودان، لأنها تجمع بين منتخب كبير يملك خبرة إفريقية واسعة مثل السنغال، ومنتخبين يعرفان الكرة السودانية جيدًا من حيث الجغرافيا والتنافس الإقليمي، هما موزمبيق وإثيوبيا. ورغم صعوبة المهمة، فإن طبيعة التصفيات تمنح السودان مساحة حقيقية للمنافسة، خاصة أن التأهل لا يقتصر على صاحب المركز الأول فقط، بل يتأهل صاحبا المركزين الأول والثاني من كل مجموعة مباشرة إلى النهائيات، باستثناء المجموعات التي تضم الدول المستضيفة.
ويُعد وجود السنغال في المجموعة أبرز تحدٍ أمام السودان، بالنظر إلى الخبرة الكبيرة التي يمتلكها المنتخب السنغالي على مستوى القارة، وقوة لاعبيه المحترفين في الدوريات الأوروبية والإفريقية. لكن مواجهة منتخب كبير مثل السنغال ليست عبئًا فقط، بل قد تكون فرصة فنية مهمة للمنتخب السوداني لقياس مستواه الحقيقي، واكتساب خبرة تنافسية عالية، وإثبات قدرته على الصمود أمام منتخبات الصف الأول في إفريقيا.
أما مواجهة موزمبيق فستكون ذات حسابات مختلفة؛ فالمنتخب الموزمبيقي من المنتخبات التي تطورت خلال السنوات الأخيرة، ويمتلك طابعًا بدنيًا وتنظيميًا واضحًا، ولا يمكن التعامل معه باعتباره خصمًا سهلًا. مثل هذه المباريات غالبًا ما تكون حاسمة في سباق المركز الثاني، لأن الفوز فيها يمنح دفعة قوية، بينما التعثر قد يعقّد الحسابات مبكرًا.
وتأتي مواجهة إثيوبيا بطابع إقليمي مهم، بحكم القرب الجغرافي والمعرفة المتبادلة بين المنتخبين. المنتخب الإثيوبي يعتمد عادة على السرعة والتمرير والحركة، وقد يشكل اختبارًا مختلفًا للسودان، خصوصًا في المباريات التي تُلعب خارج الأرض. لذلك يحتاج الجهاز الفني السوداني إلى إعداد خاص لكل منافس، وعدم التعامل مع المجموعة بمنطق مباراة واحدة أو خصم واحد.
وتقام نهائيات كأس أمم إفريقيا 2027 في شرق إفريقيا، بتنظيم مشترك بين كينيا وأوغندا وتنزانيا، وهي نسخة تاريخية لأنها تعيد البطولة إلى المنطقة بعد غياب طويل. وأكد “كاف” أن النهائيات ستُقام خلال الفترة من 19 يونيو إلى 17 يوليو 2027، بمشاركة 24 منتخبًا، ما يزيد من أهمية هذه التصفيات بالنسبة للمنتخب السوداني وجماهيره.
وبالنسبة لصقور الجديان، فإن هذه التصفيات تأتي في مرحلة تحتاج فيها الكرة السودانية إلى إعادة بناء الثقة، بعد سنوات صعبة تأثرت فيها الأندية والمنتخبات بظروف الحرب وتراجع انتظام النشاط المحلي. ومع ذلك، ظل المنتخب السوداني يحتفظ بحضور معنوي مهم لدى الجماهير، التي ترى فيه واجهة وطنية قادرة على جمع السودانيين حول راية واحدة، حتى في أصعب الظروف.
وتبدو مهمة الجهاز الفني بقيادة كواسي أبياه كبيرة، لأنه مطالب ببناء قائمة متوازنة تجمع بين الخبرة والطموح، وتستفيد من اللاعبين المحليين والمحترفين، مع ضرورة تجهيز المنتخب بدنيًا ونفسيًا لخوض مباريات قوية ومتقاربة. كما أن نجاح السودان في هذه التصفيات لن يعتمد فقط على الحماس، بل على التنظيم الدفاعي، واستثمار الفرص، والقدرة على جمع النقاط أمام المنافسين المباشرين.
ومن الناحية الحسابية، ستكون مباريات السودان أمام موزمبيق وإثيوبيا محورية للغاية، لأنها قد تحدد شكل الصراع على بطاقة التأهل الثانية إذا حافظت السنغال على أفضليتها النظرية. لكن كرة القدم لا تُحسم بالتوقعات وحدها، والمنتخب السوداني قادر على تقديم مباريات قوية إذا دخل التصفيات بروح عالية، وتحضير جيد، وانضباط تكتيكي يمنحه القدرة على المنافسة أمام الجميع.
وتحمل هذه القرعة رسالة واضحة للكرة السودانية: الطريق ليس سهلًا، لكنه ليس مغلقًا. فالمجموعة قوية، لكن نظام التأهل يمنح السودان فرصة حقيقية إذا أحسن التعامل مع الجولات الست، وحقق نتائج إيجابية في مبارياته الأولى، خاصة أن البداية الجيدة في التصفيات غالبًا ما ترفع الثقة وتمنح المنتخب دفعة كبيرة في بقية المشوار.
وتبقى آمال الجماهير السودانية معلقة على أن تكون هذه التصفيات بداية مرحلة جديدة لصقور الجديان، مرحلة تعيد المنتخب إلى موقعه الطبيعي في المنافسات الإفريقية، وتمنح اللاعبين فرصة لتقديم صورة مشرفة عن كرة القدم السودانية. فالمهمة صعبة، لكن السودان يملك التاريخ والطموح والجمهور، ويبقى العمل الجاد داخل الملعب هو الطريق الحقيقي نحو التأهل.