البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، أجرى جولة ميدانية في مدينة أم درمان، شملت تفقد سوق أم درمان وتحية المواطنين في شارع الوادي، وسط استقبال شعبي لافت، في خطوة حملت دلالات سياسية وميدانية في ظل الأوضاع التي تعيشها العاصمة السودانية بعد أشهر طويلة من الحرب والاضطراب.
وبحسب ما تداولته منصات إعلامية محلية، تفقد البرهان سوق أم درمان ووقف على أحوال المواطنين والتجار، قبل أن يمر بشارع الوادي، حيث حيا المواطنين الذين احتشدوا لاستقباله. وأظهرت مقاطع متداولة تفاعلًا شعبيًا مع الزيارة، وسط هتافات وترحيب من عدد من الحاضرين، في مشهد عكس رغبة رسمية في إظهار عودة الحركة تدريجيًا إلى بعض مناطق أم درمان.
وتأتي هذه الجولة في توقيت شديد الحساسية، إذ لا تزال العاصمة السودانية تعيش آثار الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، وما تبعها من دمار واسع، ونزوح كبير، وتعطل في الخدمات والأسواق. لذلك لا تبدو زيارة سوق أم درمان حدثًا بروتوكوليًا فقط، بل تحمل رسالة مرتبطة بمحاولة استعادة الحياة المدنية والتجارية في واحدة من أهم مدن العاصمة.
ويمثل سوق أم درمان واحدًا من الرموز الاقتصادية والاجتماعية في السودان، فهو ليس مجرد مساحة للبيع والشراء، بل ذاكرة مدنية ممتدة تربط بين التجارة الشعبية والحركة اليومية والثقافة السودانية. ومن هنا فإن ظهور البرهان داخل السوق يحمل بعدًا رمزيًا واضحًا، خصوصًا في مرحلة تحاول فيها السلطات التأكيد على عودة مظاهر الحياة في بعض المناطق التي شهدت توترًا أمنيًا خلال الفترة الماضية.
كما أن توقف البرهان في شارع الوادي وتحيتَه للمواطنين يعكس محاولة لإظهار التواصل المباشر مع الشارع، في وقت يراقب فيه السودانيون داخل البلاد وخارجها تطورات العاصمة، وما إذا كانت الخرطوم وأم درمان تتجهان إلى مرحلة أكثر استقرارًا بعد المعارك والتوترات الأمنية. وكانت وكالة الأناضول قد نشرت قبل أيام خبرًا عن جولة للبرهان بسيارته في شوارع العاصمة، وظهوره في أم درمان بعد استهداف مطار الخرطوم، ما يعكس تكرار هذا النوع من التحركات الميدانية خلال الفترة الأخيرة.
وتحمل مثل هذه الجولات أكثر من رسالة. الرسالة الأولى داخلية، موجهة إلى المواطنين والتجار، ومفادها أن الدولة تحاول متابعة الأوضاع على الأرض، لا من داخل المكاتب فقط. أما الرسالة الثانية فهي سياسية وعسكرية، ترتبط بإظهار حضور القيادة في مناطق العاصمة التي كانت خلال الحرب جزءًا من المشهد الميداني. والرسالة الثالثة إعلامية، لأنها تقدم صورة مختلفة عن العاصمة، عنوانها الحركة والازدحام والتفاعل الشعبي بدل مشاهد الحرب وحدها.
لكن رغم أهمية المشهد، فإن عودة الحياة الكاملة إلى أم درمان لا تقاس بالجولات وحدها، بل بقدرة الأسواق على العمل بصورة منتظمة، وتوفر الخدمات الأساسية، وعودة المواطنين إلى منازلهم، واستقرار الأمن، وانسياب حركة النقل والتجارة. فالأسواق تحتاج إلى كهرباء ومياه ونظافة وتأمين ومواصلات وتمويل وطمأنة للتجار، وكلها عناصر أساسية حتى لا تكون العودة مؤقتة أو شكلية.
وتواجه أم درمان، مثل بقية مناطق العاصمة، تحديات كبيرة مرتبطة بآثار الحرب. كثير من الأسر فقدت مصادر دخلها، وبعض الأسواق تضررت أو تعطلت، وحركة التجارة لم تعد كما كانت قبل الحرب. لذلك فإن تفقد سوق أم درمان قد يفتح الباب أمام مطالب المواطنين والتجار بتحسين الخدمات، وإزالة آثار الدمار، وتأمين الطرق، وتسهيل عودة النشاط الاقتصادي بصورة أكثر تنظيمًا.
ومن الناحية الاجتماعية، فإن استقبال المواطنين للبرهان في شارع الوادي يعكس حالة تفاعل شعبي مع الزيارة، لكنه في الوقت ذاته يبرز حجم الحاجة إلى رسائل طمأنة حقيقية. فالناس لا ينتظرون الزيارات فقط، بل ينتظرون حلولًا ملموسة في الأمن والمعيشة والخدمات وعودة الحياة اليومية الطبيعية. وهذا ما يجعل أي جولة ميدانية مرتبطة باختبار لاحق: هل ستتبعها إجراءات عملية على الأرض أم ستبقى في إطار الرسالة السياسية والإعلامية؟
وتأتي الجولة أيضًا في ظل تصاعد الحديث عن إعادة ترتيب العاصمة بعد الحرب، وعودة مؤسسات الدولة، وتنظيم الوجود الأمني والعسكري، وتحريك عجلة الأسواق. ومن هنا، فإن أم درمان تبقى في قلب المشهد، لأنها تمثل بوابة اجتماعية واقتصادية مهمة، وأي تحسن في أوضاعها يعطي مؤشرًا على إمكانية تعافي أجزاء من العاصمة تدريجيًا.
وبين البعد الرمزي والواقع الخدمي، تبقى زيارة البرهان لسوق أم درمان وشارع الوادي حدثًا لافتًا في سياق مرحلة ما بعد المعارك داخل العاصمة. فهي تعكس رغبة في إظهار الحضور الرسمي وسط المواطنين، لكنها تضع في الوقت نفسه مسؤولية أكبر على السلطات لتحويل مشاهد الاستقبال والحركة إلى واقع مستقر يلمسه الناس في الأسواق والبيوت والطرق والخدمات.