المصدر : وكالة السودان للأنباء
السافنا، القائد المنشق عن قوات الدعم السريع والمنضم إلى القوات المسلحة السودانية، أطلق اتهامات شديدة الحساسية خلال مؤتمر صحفي عقده في الخرطوم، قال فيها إن الإمارات تتولى تمويل وتسليح قوات الدعم السريع بصورة كاملة، وإنها لعبت دورًا مباشرًا في إدارة الحرب الجارية في السودان منذ بدايتها. وجاءت تصريحاته في سياق سلسلة إفادات أدلى بها بعد انشقاقه، وتضمنت أيضًا حديثًا عن مهابط ترابية في دارفور وكردفان، وتدخلات خارجية، وتحركات منسوبة إلى قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
وبحسب ما أورده السافنا، فإن العتاد كان يُرسل إلى قوات الدعم السريع عبر رحلات طيران تهبط في مهابط ترابية بدائية جرى تجهيزها مسبقًا في مناطق من دارفور وكردفان. وأضاف أنه أشرف بنفسه في وقت سابق على تهيئة عدد من هذه المهابط، في إشارة أراد من خلالها تأكيد أنه يتحدث من موقع معرفة مباشرة بطبيعة الإمداد العسكري الذي كان يصل إلى الميدان. وهذه الجزئية تحديدًا تكتسب أهمية كبيرة، لأنها تربط بين الصراع داخل السودان وبين مسارات إمداد عابرة للحدود، لكنّها تظل في حدود شهادة منسوبة إلى شخص منشق ما لم تؤكدها جهة تحقيق مستقلة أو تقارير أممية موثقة.
وقال السافنا إن الحرب “بدأت بأمر من الإمارات” وبتخطيط وتمويل كامل منها، مضيفًا أن إدارة المعارك باتت الآن، بحسب وصفه، بيد أبوظبي، وأن قيادة الدعم السريع أصبحت منقادة لهذا المسار ولا تملك القدرة على إيقاف القتال. كما اتهم الإمارات بأنها لا تكتفي بدعم الدعم السريع وحده، بل “تجر معها” أطرافًا غربية وإفريقية إلى هذا المخطط، وتستعين بالمال في شراء ولاءات ومرتزقة أجانب. وهذه الاتهامات تمثل أخطر ما ورد في المؤتمر من الناحية السياسية، لأنها تنقل مستوى الخطاب من اتهام داخلي بين أطراف الحرب إلى اتهام مباشر لدولة إقليمية بأنها طرف فاعل في إدارة الصراع.
وفي هذا السياق، ينبغي التعامل مع هذه التصريحات بحذر مهني شديد، لأن السافنا طرف مباشر في الحرب، وانتقاله من معسكر إلى آخر يمنح أقواله قيمة خبرية وسياسية، لكنه لا يجعلها تلقائيًا حقائق نهائية. لذلك فالأهمية الصحفية هنا لا تكمن في الجزم بصحة كل ما قاله، بل في كونه يقدم رواية من الداخل حول طبيعة علاقات الدعم السريع الخارجية، وحول حجم التدخلات التي يرى أنها تحكم قرارها العسكري والسياسي. وهذه الرواية تفتح بابًا واسعًا لأسئلة تتعلق بمصادر السلاح، ومسارات التمويل، وحدود التأثير الخارجي في الحرب السودانية.
وفي جانب آخر، وجه السافنا رسالة إلى المكونات الاجتماعية داخل قوات الدعم السريع، قال فيها إن “طريق العودة إلى الوطن مفتوح”، معتبرًا أن أسرة وعشيرة دقلو “تزج بمكونات دارفور وكردفان في التهلكة” من أجل مصالحها الخاصة. وتحمل هذه الرسالة بُعدًا سياسيًا ومعنويًا واضحًا، إذ يحاول السافنا من خلالها مخاطبة القواعد الاجتماعية والمقاتلين الذين ما زالوا داخل الدعم السريع، وتقديم نفسه بوصفه نموذجًا لمن خرج من صفوفها وانحاز إلى الجيش والدولة. كما تعكس هذه الرسالة أن معركة الانشقاقات باتت جزءًا من الحرب النفسية والإعلامية المصاحبة للقتال في السودان.
كما تطرق السافنا إلى وضع حميدتي، وقال إنه تعرض لإصابة في محيط القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم خلال الأيام الأولى من الحرب، وإنه يتنقل حاليًا بين بعض الدول الإفريقية والإمارات ونيالا، مضيفًا أن القوات المسلحة ترصد هذه التحركات. وهذه المعلومة أيضًا تبقى ضمن رواية السافنا، ولم يصدر بشأنها تأكيد مستقل موثوق. لكن مجرد إعادة طرحها في هذا التوقيت يعكس حجم الغموض الذي لا يزال يحيط بوضع حميدتي وتحركاته الفعلية، وهو ملف ظل حاضرًا في الساحة السودانية منذ بداية الحرب وتحيط به روايات متضاربة من أطراف متعددة.
وتتقاطع هذه التصريحات مع ما سبق أن قاله السافنا في المؤتمر ذاته أو في إفادات أخرى عن وجود تدفقات كبيرة للسلاح إلى دارفور، وعن استعانة الدعم السريع بمرتزقة لتشغيل بعض الأسلحة الثقيلة أو الاستراتيجية. وإذا جُمعت هذه العناصر معًا—التمويل، الإمداد، المرتزقة، والمهابط الترابية—فإنها ترسم صورة يريد السافنا من خلالها القول إن الحرب في السودان لم تعد مجرد مواجهة داخلية بين قوتين سودانيتين، بل تحولت إلى ساحة تتداخل فيها حسابات إقليمية وشبكات تسليح وفاعلون من خارج الحدود. غير أن هذا التصور، رغم أهميته السياسية، يظل بحاجة إلى أدلة موثقة تحقق فيها جهات مستقلة حتى يخرج من دائرة الاتهام السياسي إلى دائرة الوقائع المثبتة.【turn512348search10】
ومن الناحية العسكرية، تعطي تصريحات السافنا انطباعًا بأن الانشقاقات الأخيرة عن الدعم السريع تُستخدم أيضًا لإعادة صياغة سردية الحرب. فكل قائد منشق يحاول أن يشرح لماذا دخل المعركة، وكيف خرج منها، وما الذي عرفه داخل الطرف الذي كان يقاتل معه. وهذا يفسر لماذا باتت المؤتمرات الصحفية للمنشقين تحمل وزنًا أكبر من مجرد إعلان الانضمام إلى الجيش، لأنها تتحول إلى منصات لكشف روايات، أو تصفية حسابات، أو توجيه رسائل إلى الميدان والرأي العام في آن واحد.
لكن في المقابل، فإن أي قراءة متوازنة لهذه التطورات تقتضي التمييز بين الخبر المؤكد وبين ما يزال في إطار الادعاء. المؤكد هنا هو أن السافنا عقد مؤتمرًا صحفيًا في الخرطوم وأطلق هذه الاتهامات صراحة، وأن الخبر نُقل في أكثر من مصدر. أما غير المؤكد فهو صحة كل ما أورده من تفاصيل عن التمويل المباشر، وإدارة الحرب، وتحركات حميدتي، وحجم الدور الخارجي الفعلي. لذلك فإن القيمة الأساسية لهذه التصريحات في الوقت الراهن تكمن في بعدها السياسي والإعلامي، وفي أنها تضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى مشهد الحرب، أكثر من كونها حسمًا نهائيًا لأي ملف من الملفات المثارة.
وفي المحصلة، تكشف تصريحات السافنا عن مسارين متوازيين في الحرب السودانية: مسار ميداني تدور فيه المعارك على الأرض، ومسار روائي وسياسي تتنافس فيه الأطراف على تفسير الحرب وتحديد من يديرها ومن يمولها ومن يتحمل مسؤولية استمرارها. وبين هذين المسارين، يبقى السودانيون هم من يدفعون الثمن الأكبر، فيما تتكاثر الاتهامات وتتعقد شبكة المصالح الإقليمية والدولية المحيطة بالأزمة. وبانتظار ردود رسمية أو تحقيقات مستقلة، ستظل هذه التصريحات مادة مثيرة للجدل، ومؤشرًا على أن ملف التدخلات الخارجية سيبقى في صدارة النقاش السوداني في المرحلة المقبلة.