السافنا، القائد المنشق عن قوات الدعم السريع والمنضم إلى القوات المسلحة السودانية، فجّر اتهامات جديدة خلال مؤتمر صحفي عقده في الخرطوم، قال فيها إن قوات الدعم السريع نفذت عمليات تصفية بحق عدد من قادتها الذين رأت في وجودهم خطرًا عليها، مشيرًا إلى أن تلك العمليات تمت، وفق روايته، بتعليمات من القائد الثاني في الدعم السريع عبد الرحيم دقلو.
وقال علي رزق الله، المعروف بـ“السافنا”، إن من بين الأسماء التي جرى استهدافها رحمة الله المهدي المعروف بـ“جلحة”، وعبد حسين، والمستشار حامد علي، مضيفًا أن هناك تصفيات وقعت خلال الأيام الماضية في غرب دارفور. وتبقى هذه المعلومات، رغم تداولها في أكثر من وسيلة إعلامية، اتهامات منسوبة إلى السافنا نفسه، ولم تصدر بشأنها حتى الآن نتائج تحقيق مستقل أو تأكيد قضائي يثبت تفاصيلها بصورة نهائية.
وجاءت تصريحات السافنا في أول مؤتمر صحفي له بعد إعلان انشقاقه عن قوات الدعم السريع في 14 مايو الجاري وانضمامه إلى القتال إلى جانب الجيش السوداني. ووفق ما نقلته وكالة الأناضول، فإن المؤتمر عُقد في العاصمة الخرطوم، وتضمن حديثًا واسعًا عن أسباب انضمامه السابق للدعم السريع، ثم خروجه منه، وموقفه الحالي من الحرب.
وفي تفسيره لفترة وجوده داخل الدعم السريع، قال السافنا إن انضمامه السابق كان “اضطرارًا” وبدافع الحماية، معتبرًا أنه لم يكن أمامه خيار آخر في ذلك الوقت. وأضاف أن الدعم السريع، بحسب وصفه، اتبع أسلوب الترهيب والانتقام من الأسر والأهل ضد من يرفض الانخراط معه في الحرب، وهو ما قال إنه دفع عددًا من القيادات القبلية والميدانية إلى البقاء داخله تحت الضغط والخوف على أسرهم.
وحاول السافنا في المؤتمر تقديم نفسه بوصفه ضحية، لا شريكًا كامل الإرادة في مسار الدعم السريع، مؤكدًا استعداده للاحتكام إلى القانون في أي اتهامات تُنسب إليه. وقال إن أهله أيضًا من ضحايا ممارسات الدعم السريع، شأنهم شأن بقية السودانيين الذين تضرروا من الحرب. وهذه النقطة تبدو مهمة في الخطاب الذي يتبناه السافنا بعد انشقاقه، إذ يسعى إلى الفصل بين وجوده السابق داخل الدعم السريع وبين موقفه الحالي إلى جانب الجيش.
وفي جانب آخر، تحدث السافنا عن أوضاع قيادات داخل الدعم السريع، وقال إن شخصيات كبيرة، بينها عثمان عمليات وعصام فضيل، تخضع للإقامة الجبرية في الإمارات. وهذه المعلومة وردت ضمن تصريحاته التي نقلتها وسائل إعلام، لكنها مثل غيرها من التفاصيل الحساسة تحتاج إلى تحقق مستقل، خصوصًا أنها تتعلق بأشخاص ومكان خارج السودان، ولم يصدر بشأنها تأكيد رسمي من الجهات المعنية.
الأخطر في تصريحات السافنا كان حديثه عن تدفقات السلاح إلى دارفور. فقد قال إن كميات كبيرة من الأسلحة تصل إلى الدعم السريع في الإقليم، مشيرًا إلى وجود مهابط ترابية تُستخدم في عمليات الإمداد، ومؤكدًا أنه أشرف شخصيًا في وقت سابق على تهيئة أكثر من سبعة مهابط. وبحسب روايته، فإن تدفقات السلاح أصبحت خارج السيطرة، وقد تتسرب إلى جماعات مسلحة في غرب أفريقيا، مثل بوكو حرام أو غيرها من الجماعات المتطرفة.
ويحمل هذا الاتهام خطورة إقليمية واضحة، لأن دارفور تقع ضمن نطاق جغرافي شديد الحساسية، قريب من حدود مفتوحة ومسارات تهريب تاريخية، وأي توسع في حركة السلاح داخل هذه المنطقة قد لا يظل محصورًا داخل السودان وحده. ومع ذلك، فإن ربط هذه الأسلحة بجماعات إرهابية خارجية يبقى طرحًا يحتاج إلى تحقيق أمني مستقل، لأن نتائجه لا تمس السودان فقط، بل تمتد إلى دول الجوار والساحل وغرب أفريقيا.
كما قال السافنا إن قدرات الدعم السريع في التعامل مع الأسلحة الاستراتيجية، مثل المسيّرات والمدفعية الثقيلة، محدودة، وإن ذلك دفعه إلى الاستعانة بمرتزقة لتشغيلها. وتأتي هذه التصريحات في سياق اتهامات متكررة خلال الحرب السودانية بشأن التدخلات الخارجية وتدفق السلاح والمقاتلين، وهي اتهامات ظلّت حاضرة في الخطاب السياسي والعسكري منذ اندلاع الحرب، لكنها تحتاج دائمًا إلى توثيق مستقل بسبب حساسية الملف وتشابك أطرافه.
ومن الناحية السياسية والعسكرية، لا يمكن فصل مؤتمر السافنا عن موجة الانشقاقات الأخيرة عن الدعم السريع، والتي شملت قيادات ميدانية وأهلية بارزة. فالحديث المتكرر عن الانشقاقات والتصفيات والإقامة الجبرية يعكس محاولة لرسم صورة عن تصدع داخلي داخل الدعم السريع، بينما تنظر القوات المسلحة وحلفاؤها إلى هذه الانشقاقات باعتبارها مكسبًا معنويًا وسياسيًا في الحرب.
لكن القراءة المهنية تفرض الحذر. فالسافنا طرف مباشر في الصراع، وانتقاله من الدعم السريع إلى الجيش يمنح تصريحاته أهمية خبرية، لكنه لا يجعل كل ما يقوله حقيقة نهائية. لذلك فإن القيمة الأساسية لهذه التصريحات تكمن في كونها تكشف رواية من الداخل، وتفتح بابًا أمام أسئلة كبيرة حول طبيعة الصراعات داخل الدعم السريع، وحجم تدفقات السلاح في دارفور، ومدى تأثير الانشقاقات على مستقبل الحرب.
وفي انتظار أي رد من الدعم السريع أو ظهور تحقيقات مستقلة تؤكد أو تنفي هذه الاتهامات، تبقى تصريحات السافنا واحدة من أكثر الشهادات إثارة للجدل في الأيام الأخيرة، ليس فقط بسبب الأسماء التي ذكرها، بل لأنها تربط بين التصفيات الداخلية، وترهيب القيادات القبلية، وتدفق السلاح، والتدخلات الخارجية، في مشهد يعكس مدى تعقيد الحرب السودانية وتشابك أبعادها المحلية والإقليمية.