أخبار السودان تتصدرها التطورات المتسارعة في المشهد السياسي، حيث تشكل مشاورات “أديس أبابا” الجارية محاولة دولية وإقليمية لفتح مسار حوار سوداني أوسع، يهدف إلى إنهاء الأزمة التي أشعلتها مليشيا الدعم السريع المتمردة. وقد أنهت المجموعة الخماسية الدولية—التي تضم الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الإفريقي، منظمة إيغاد، والجامعة العربية—جولة مشاورات مكثفة استمرت ثلاثة أيام مع قوى سياسية ومدنية سودانية، مؤكدة أن هذه الاجتماعات تمثل خطوة تمهيدية لعملية سياسية “سودانية القيادة والملكية”، وسط تحذيرات من التداعيات الكارثية لاستمرار تمرد المليشيات على وحدة البلاد واستقرار المنطقة.
وجاءت هذه المشاورات كامتداد لمقررات مؤتمر برلين الذي عُقد في أبريل الماضي، حيث تركزت النقاشات حول آليات تشكيل لجنة تحضيرية تمهد لحوار سياسي شامل لا يستثني القوى الوطنية الداعمة لمؤسسات الدولة. ورغم إقرار البيان الختامي للمجموعة الخماسية بصعوبة الاجتماعات، إلا أنه وصفها بالمثمرة، كاشفاً عن إعداد مسودات مكتوبة ترسم ملامح المرحلة المقبلة. وشددت الآلية الدولية على أن المدخل الأساسي لأي تسوية يكمن في الاحترام الصارم لسيادة السودان ووحدة أراضيه، مع توجيه رسالة حازمة برفض أي تدخلات خارجية تقوض هذه المبادئ أو تمس بالمؤسسة العسكرية الوطنية (الجيش السوداني) بوصفها صمام أمان الدولة.
على صعيد المواقف السياسية، اصطدمت هذه المساعي بتحفظات واعتراضات صريحة من قبل بعض القوى، أبرزها الحركة الشعبية (التيار الثوري الديمقراطي). فقد انتقدت نائبة رئيس الحركة، بثينة دينار، مسار العملية السياسية ووصفته بـ “القصور الكبير”، مشيرة إلى عدم التزامه بالتفاهمات السابقة بين تحالف “صمود” وقوى “إعلان المبادئ السوداني”. وأكدت الحركة أن أي نقاش سياسي معزول عن معالجة الكارثة الإنسانية وحماية المدنيين من انتهاكات المليشيا المتمردة، لن يحقق تغييراً ملموساً ولن يفضي إلى سلام حقيقي، محذرة من مغبة إغراق المشهد بمبادرات هشة تعيد تدوير الأطراف السياسية التي ساهمت في تأزيم الموقف.
وفي موازاة ذلك، كشفت كواليس أديس أبابا عن انقسامات حادة داخل الأروقة السياسية؛ حيث أفادت مصادر متطابقة بتعثر انعقاد اللقاء المرتقب بين تحالفي “صمود” و”تأسيس”، رغم تواجد وفد رفيع من الأخير في العاصمة الإثيوبية. وتعمقت هوة الخلافات بإعلان قيادات في “الكتلة الديمقراطية” تمسكها القاطع برفض الجلوس أو التحاور مع تحالف “تأسيس” في المرحلة الحالية، وهو ما رد عليه قادة “تأسيس” باعتبار موقف الكتلة “غير مهم”، مما يعكس حالة من الاستقطاب الحاد التي تهدد بإبطاء مسار توحيد الجبهة المدنية الداعمة للشرعية.
ورغم هذه التباينات العميقة، شهدت المشاورات توقيع مجموعة من القوى السياسية البارزة—من بينها تحالف “صمود”، الكتلة الديمقراطية، حزب الأمة، المؤتمر الشعبي، وحزب البعث (الأصل)—على رؤية مشتركة لتدشين مسار سلام ينهي تمرد المليشيات. وترتكز هذه الرؤية على إطلاق عملية سياسية عبر لجنة تحضيرية تصون وحدة السودان، وتدعو إلى مصالحة مجتمعية شاملة تقوم على العدالة ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب والانتهاكات المروعة بحق المدنيين. ويبقى نجاح هذه الجهود مرهوناً بمدى اصطفاف القوى السياسية خلف مؤسسات الدولة الوطنية العسكرية والمدنية، لتفويت الفرصة على محاولات تفتيت البلاد وفرض أجندات خارجية لا تخدم مصلحة الشعب السوداني.