ولاية الجزيرة تستيقظ على وقع فاجعة إنسانية وصحية غير مسبوقة، حيث تعيش قرية “العوضية” التابعة لمحلية أم القرى شرق مدينة ود مدني حالة من الرعب والصدمة. ففي صباح يوم السبت، السادس من يونيو 2026، تعرضت القرية الوادعة لهجوم مباغت وشرس شنّه قطيع كبير من الكلاب الضالة، مما أسفر عن سقوط 45 مصاباً بجروح قطعية متفاوتة الخطورة. هذا الحادث المروع لم يقتصر تأثيره على الإصابات الجسدية المباشرة فحسب، بل امتد ليخلق حالة من الهلع الجماعي وسط الأهالي الذين وجدوا أنفسهم عزلاً في مواجهة تهديد غير تقليدي يتربص بأرواح أطفالهم ونسائهم في وضح النهار.
وتشير التفاصيل الميدانية التي رواها شهود عيان من قلب الحدث، إلى أن الهجوم لم يكن مجرد حادثة عابرة أو اعتداء فردي، بل كان هجوماً جماعياً منظماً من قبل قطيع مسعور اجتاح أزقة القرية وطرقاتها الرئيسية. وقد باغتت الكلاب الضحايا أثناء توجههم إلى أعمالهم اليومية وحقولهم، مما جعل عملية التصدي لها بالغة الصعوبة. وأكد الأهالي أن اللحظات الأولى للهجوم اتسمت بالفوضى العارمة والهلع الشديد، حيث اختلطت صرخات المصابين بمحاولات الشبان اليائسة لصد القطيع باستخدام العصي والأدوات البدائية، قبل أن يلوذ القطيع بالفرار تاركاً خلفه عشرات الضحايا ينزفون، بينهم حالات وُصفت بالحرجة وتتطلب تدخلاً جراحياً عاجلاً.
بيد أن الكارثة الحقيقية تجلت بوضوح في المستشفى المحلي الذي نُقل إليه المصابون؛ حيث اصطدمت نداءات الاستغاثة بواقع صحي مرير يعكس هشاشة البنية التحتية الطبية في المناطق الريفية. فقد أعلنت الإدارة الطبية للمستشفى عن نفاذ ونقص حاد في أمصال داء السعار (الكلَب)، وهو العلاج الوحيد والمنقذ للحياة في مثل هذه الحالات. هذا النقص الخطير أثار مخاوف مضاعفة من احتمال تفشي الفيروس القاتل بين المصابين، خاصة وأن داء السعار يُعد مرضاً فيروسياً مميتاً إذا لم يتلقَ المصاب المصل المضاد في الساعات الأولى (الفترة الذهبية) التي تلي التعرض للعض.
وأمام هذا العجز الطبي الطارئ، تعالت أصوات القيادات الأهلية والنشطاء في محلية أم القرى لإطلاق مناشدات عاجلة ومكثفة لوزارة الصحة الاتحادية والولائية، والمنظمات الإنسانية العاملة في الحقل الطبي، للتدخل الفوري عبر تسيير قوافل طبية تحمل إمدادات عاجلة من أمصال السعار لإنقاذ أرواح الضحايا. كما طالب الأهالي السلطات المعنية والجهات البيطرية بتنفيذ حملات تمشيط وإبادة فورية واسعة النطاق لمكافحة الكلاب الضالة التي باتت تشكل قنابل موقوتة تهدد حياة الآمنين، وتطويق المناطق المجاورة لمنع انتقال القطعان المسعورة إلى قرى أخرى.
إن حادثة قرية العوضية لا تمثل مجرد خبر عابر في سجل الحوادث اليومية، بل تفتح ملفاً شائكاً حول مدى استعداد الأنظمة الصحية الريفية للتعامل مع الأزمات الطارئة. وتضع هذه الفاجعة الجهات المسؤولة أمام اختبار حقيقي لإثبات قدرتها على حماية أرواح المواطنين، وتوفير الرعاية الطبية الأساسية التي تكفل لهم حق الحياة بأمان، بعيداً عن شبح الأوبئة والكوارث البيئية المهملة التي تتحول في غياب الرعاية إلى مآسٍ إنسانية يدفع ثمنها البسطاء.