أخبار الخرطوم تتصدرها اليوم عملية أمنية نوعية ومعقدة، أعادت الطمأنينة إلى شوارع العاصمة، حيث وجهت الأجهزة الأمنية السودانية ضربة قاصمة لأوكار الجريمة المنظمة. في إنجاز ميداني يعكس مستوى اليقظة والاحترافية، تمكنت شعبة المباحث بقسمي “الدروشاب” و”أم ضريوه” من تفكيك وإسقاط واحدة من أخطر الشبكات الإجرامية التي أرقت مضاجع المواطنين والشركات على حد سواء، والتي عُرفت في الأوساط الجنائية باسم شبكة “الجاز والبوتيك”. هذه العصابة لم تكتفِ بترويع الآمنين، بل امتدت أذرعها التخريبية لتستهدف عصب البنية التحتية من خلال سرقة وقود أبراج الاتصالات الحيوية، تزامناً مع تنفيذ عمليات كسر ونهب واسعة استهدفت المتاجر والأسواق المحلية.
تفاصيل هذه القضية الشائكة بدأت تتكشف خيوطها عقب بلاغ رسمي وعاجل تقدم به مدير إدارة الأمن بشركة الاتصالات (MTN). وأفاد البلاغ بتعرض أحد الأبراج الاستراتيجية التابعة للشركة في منطقة “السلمة” لعمليات استنزاف وسرقة منظمة استهدفت كميات كبيرة من وقود “الجازولين” المخصص لتشغيل المولدات لضمان استمرار الخدمة. هذا التعدي السافر على مقدرات قطاع الاتصالات، الذي يمثل شرياناً حيوياً لتواصل المواطنين وإدارة الأزمات، استدعى تدخلاً فورياً وحاسماً من قبل شرطة المباحث.
وفور تلقي البلاغ، تم تشكيل فريق أمني متخصص ومصغر من خيرة ضباط وعناصر المباحث، للرصد والتقصي وجمع المعلومات الاستخباراتية. وبناءً على تحليل دقيق لمسرح الجريمة ونمط السرقات، قام الفريق بنصب كمين أمني محكم ومدروس في محيط الأبراج المستهدفة بمنطقة السلمة. ساعات من الترقب والحذر أسفرت عن الإيقاع بالمتهم الأول، حيث تم ضبطه في حالة تلبس كاملة أثناء محاولته نقل وتهريب كميات من الوقود المسروق، ليقع في قبضة العدالة مسدلاً الستار على أولى فصول هذه الشبكة.
لم تتوقف العملية عند هذا الحد، ففي غرف التحقيق، وأمام محاصرة المتهم بالأدلة الدامغة، انهار وأدلى باعترافات تفصيلية خطيرة. أقر المتهم بضلوعه وتورطه المباشر، بمعية شركاء آخرين، في سلسلة من الجرائم المتشعبة التي لم تقتصر على أبراج الاتصالات، بل شملت عمليات كسر أقفال ونهب منظم طالت عدداً من المتاجر والبوتيكات في العاصمة.
وبتوجيه من المتهم المقبوض عليه، تحركت قوة أمنية ضاربة لدهم وكر سري مهجور ومخفي عن الأنظار، كانت الشبكة تتخذه كمركز عمليات ومخزن لتكديس وإخفاء المسروقات المنهوبة. عملية المداهمة كشفت عن حجم النشاط الإجرامي واسع النطاق لهذه العصابة، حيث تم تحريز المضبوطات التي عكست استهدافاً ممنهجاً للمنشآت الحيوية والممتلكات الخاصة للمواطنين.
هذه العملية الاستباقية والنوعية لا تمثل مجرد إنجاز أمني روتيني، بل هي رسالة ردع قوية ومباشرة لكل من تسول له نفسه العبث بالأمن القومي والاقتصادي للبلاد. إن استهداف البنية التحتية لشركات الاتصالات، خاصة في ظل الظروف الدقيقة التي تمر بها العاصمة، يعد جريمة تخريبية مكتملة الأركان. وقد أثبتت قوات المباحث السودانية مجدداً جاهزيتها العالية وقدرتها على تفكيك أعقد الشبكات الإجرامية، مؤكدة التزامها الراسخ بفرض هيبة الدولة، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، وبسط مظلة الأمن والاستقرار في كافة ربوع الخرطوم.