السودان اليوم يشهد تحركات حكومية مكثفة وعلى أعلى المستويات لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية المتزايدة التي تعصف بالبلاد. وفي خطوة تعكس إرادة الدولة في فرض هيبة القانون وحماية مقدرات الأمة، ترأس رئيس الوزراء، الدكتور كامل إدريس، اجتماعاً حكومياً وأمنياً موسعاً، ضم عدداً من كبار الوزراء وممثلين رفيعي المستوى عن الأجهزة الشرطية والأمنية والعسكرية. وقد خُصص هذا اللقاء الاستراتيجي لمناقشة التحديات المعقدة المرتبطة بتنظيم قطاع التعدين، وقضايا تهريب الذهب الاستنزافية، بالإضافة إلى التهديد المتنامي لظاهرة تجارة المخدرات وسبل معالجتها جذرياً.
وفي تصريحات صحفية عقب الاجتماع، كشف وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار، الأستاذ خالد الإعيسر، عن تفاصيل المداولات، مؤكداً أن القيادة السياسية وجهت إشادة بالغة بالجهود المخلصة والتضحيات الجسام التي تبذلها كافة الأجهزة الأمنية والشرطية والعسكرية المرابطة في الثغور لكسر شوكة المهربين وحماية شريان الاقتصاد الوطني. وأوضح الوزير أن الاجتماع تعمق في دراسة وتفكيك شبكات تهريب المخدرات عبر الأراضي السودانية، واصفاً هذه الظاهرة بأنها ليست مجرد جرائم جنائية عابرة، بل هي “جزء من حرب شرسة ومتعددة الأوجه” تُشن عمداً لاستهداف النسيج الاجتماعي للشعب السوداني، مع تركيز خبيث وممنهج على تدمير فئة الشباب التي تمثل عماد المستقبل.
وأبان وزير الإعلام أن مخرجات الاجتماع شددت بلهجة حازمة على ضرورة التصدي لعمليات التهريب ومواجهتها بكل قوة وحسم، مع إعلان مكافحة المخدرات كأولوية قصوى غير قابلة للتفاوض ضمن استراتيجية حماية الأمن القومي. ولضمان فعالية هذه المواجهة، أقر المجتمعون حزمة من التدابير العاجلة، أبرزها تفعيل وتطوير آليات تبادل المعلومات الاستخباراتية والأمنية بين كافة مؤسسات الدولة المعنية. وإدراكاً للبعد الإنساني والصحي للأزمة، تقرر الشروع في إنشاء وتجهيز مراكز متخصصة ومتقدمة لعلاج الإدمان وإعادة التأهيل، مع إيلاء الرعاية القصوى للشباب المتأثرين بهذه الآفة لإعادتهم إلى حضن المجتمع.
على صعيد متصل، فتح الاجتماع ملف التعدين الأهلي وغير المنظم، والذي يشكل سلاحاً ذا حدين للاقتصاد الوطني. وناقش الحضور بشفافية الانعكاسات السلبية الخطيرة للتعدين العشوائي والخدمات المرتبطة به، لاسيما الكارثة البيئية والتهديد المباشر للصحة العامة الناتج عن الاستخدام غير الآمن للمواد الكيميائية السامة. واستجابة لهذه التهديدات، أصدر رئيس الوزراء توجيهات سيادية فورية وحاسمة تقضي بإزالة كافة “الطواحين” وأحواض التعدين العشوائية التي تم نصبها داخل الأحياء السكنية وبالقرب من المناطق العسكرية والمرافق الحساسة.
وتضمنت التوجيهات الحكومية تكليف الجهات المختصة بالعمل الفوري على تنظيم أسواق الذهب في مناطق الإنتاج بصورة عاجلة لضمان دخول عائداتها في الدورة الاقتصادية الرسمية للدولة. كما وجه الدكتور كامل إدريس بضرورة تكثيف الحملات الإعلامية والجرعات التوعوية لتسليط الضوء على المخاطر المميتة للتعدين غير المنظم والمواد الخطرة المستخدمة في استخلاص الذهب.
وفي ختام الاجتماع، تم التأكيد على إلزام وزارة المعادن بإصدار نشرات دورية تعريفية حول مخاطر المواد الكيميائية، وتسيير فرق فنية وتوعوية للنزول ميدانياً إلى مواقع المعدنين. كما أُقرت خطة لإصدار “بطاقات تعريفية” رسمية للمعدنين لتقنين أوضاعهم وتسهيل عملية توعيتهم وتوجيههم، مع الإشادة بالدور المحوري الذي يلعبه قطاع التعدين في رفد الخزينة العامة ودعم الاقتصاد الوطني، شريطة أن يتم ذلك تحت مظلة القانون وبما يضمن حماية صحة وسلامة العاملين في هذا القطاع الحيوي والبيئة المحيطة بهم.