أخبار السودان تتابع اليوم باهتمام أبعاد الملاحقات الحقوقية والضغوط الدولية المتزايدة بشأن ملف المحاسبة والعدالة الانتقالية في البلاد. ففي بيان جديد، دعت منظمة “هيومن رايتس ووتش” القيادة العامة للجيش السوداني إلى إخضاع القادة المنشقين عن قوات الدعم السريع المتمردة للمساءلة القانونية عن الجرائم الخطيرة المنسوبة إليهم قبل انشقاقهم، مؤكدة أن قرارات العفو العام لا ينبغي أن تحد من التزامات الحكومة بالتحقيق والمحاسبة وفقاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني.
وكان رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، قد أصدر في وقت سابق مرسوماً قضى بمنح عفو عام يشمل المنشقين والمستجيبين لنداء الوطن من عناصر وضباط المليشيا، إلا أن القانون السوداني فصّل بدقة بين إسقاط الحق العام المرتبط بالتمرد العسكري، وبين “الحق الخاص” والجنائي المتعلق بانتهاكات المواطنين، والذي لا يشمله العفو بأي حال من الأحوال، تاركاً الباب مفتوحاً أمام المتضررين لملاحقة أي تجاوزات قضائياً، برغم إشارة المنظمة الدولية إلى مخاوفها من صعوبة تفعيل هذه الملاحقات في ظل تداخل التعقيدات العسكرية الميدانية الحالية.
وطالبت المنظمة الدولية في بيانها، بضمان محاسبة القادة الذين انضموا للقتال إلى جانب الجيش منذ أبريل 2026م، بمن فيهم قياديان بارزان، والتعاون التام مع التحقيقات الإقليمية والدولية المعنية بالانتهاكات المرتكبة في دارفور ومناطق البلاد الأخرى. واستشهد التقرير الحقوقي بملفات قادة انشقوا مؤخراً مثل القائد علي رزق الله المعروف بـ “السافنا”، والقائد النور القبة، واللذين أعلنا انضمامهما للجيش واستقطاب مقاتلين لصالحه، بعد أدوار سابقة وثقتها المنظمات أثناء حصار مدينة الفاشر؛ تضمنت إغلاق آبار خزان قولو المزود الرئيسي للمياه بالمدينة وسقوط مدنيين. كما أشار البيان إلى ملف قائد عمليات المليشيا السابق بولاية الجزيرة، أبو عاقلة كيكل، الذي انشق في أكتوبر 2024م، لافتة إلى ضرورة مراجعة الانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها قواته بحق المدنيين قبل وبعد انضمامه.
وفي إطار الحراك الدولي، دعت المنظمة “تحالف منع الفظائع”—الذي يضم دولاً أوروبية بارزة كالمملكة المتحدة وألمانيا وهولندا والنرويج وإيرلندا ويعمل منذ فبراير الماضي—إلى دعم جهود توسيع ولاية المحكمة الجنائية الدولية لتشمل كامل التراب السوداني بدلاً من اقتصار اختصاصها الحالي على إقليم دارفور فحسب، وإعطاء الأولوية القصوى لملف العدالة وعدم الإفلات من العقاب في أي مفاوضات مستقبلية لإنهاء النزاع. وتؤكد الأوساط القانونية السودانية أن مؤسسات الدولة العدلية والنيابة العامة متمسكة ببسط سيادة القانون وحفظ حقوق المواطنين الجنائية والشخصية، معتبرة أن إنفاذ العدالة ومحاسبة المتورطين في فظائع الحرب يمثلان ركيزة أساسية لتأسيس مرحلة الاستقرار المستدام وعهد ما بعد دحر التمرد.