خالد سلك، القيادي في تحالف “صمود”، أعاد الجدل السياسي حول مستقبل الحرب في السودان إلى الواجهة، بعد تصريحات اعتبر فيها أن عودة عدد من القادة المنشقين عن قوات الدعم السريع لا تغيّر جوهر الأزمة، ولا تعني أن الحرب اقتربت من نهايتها، ما دام ملايين النازحين واللاجئين غير قادرين على العودة إلى مناطقهم، وما دامت الأوضاع الإنسانية تتدهور في أجزاء واسعة من البلاد.
وقال خالد عمر يوسف، المعروف سياسيًا وإعلاميًا باسم خالد سلك، إن عودة شخصيات مثل كيكل والنور القبة والسافنا وبقال إلى صفوف الجيش أو ما وصفه بعض الخطاب السياسي بـ“حضن الوطن” لا تحل المشكلة الأساسية. ووفق ما نقلته منصات سودانية، شدد على أن الحرب ما زالت تعصف بمناطق واسعة، وأن المواطنين هم الذين يدفعون الثمن الأكبر من نزوح وفقر وجوع ودمار.
وتأتي تصريحات سلك في توقيت يتصاعد فيه الحديث عن الانشقاقات داخل قوات الدعم السريع، بعد إعلان عدد من القيادات الميدانية أو الأهلية مغادرة صفوفها والانحياز للجيش. ورغم أن هذه التحولات حظيت باهتمام إعلامي وسياسي واسع، فإن سلك يرى أن التعويل عليها وحدها لا يقدم حلًا حقيقيًا للحرب، لأنها لا تعالج جذور الأزمة ولا توقف المعاناة اليومية التي يعيشها المدنيون.
وأوضح يوسف أن الانتهاكات التي شهدتها ولايات ومناطق مثل الجزيرة والفاشر والخرطوم لا تزال بلا معالجة واضحة، وأن عودة بعض القادة أو تبدل مواقفهم لا يمحو ما حدث على الأرض. وهذا الطرح يضع ملف العدالة وحماية المدنيين في قلب النقاش، بدل حصره في سؤال: من انشق؟ ومن عاد؟ ومن انتقل من طرف إلى آخر؟
ويرى سلك أن السؤال الأخلاقي والسياسي الأهم الآن هو: ما مبرر استمرار الحرب يومًا واحدًا بعد كل هذه الكلفة؟ فالملايين ما زالوا في النزوح واللجوء، والخدمات الأساسية تراجعت في مناطق واسعة، والأسواق والمنازل والبنية المدنية تعرضت للتدمير، بينما لا تزال الأسر السودانية تبحث عن الأمان والغذاء والدواء وحق العودة إلى بيوتها.
ومن هذا المنطلق، دعا خالد عمر يوسف إلى وقف إطلاق النار باعتباره الطريق الأقصر لوقف المعاناة، والمدخل الضروري لأي معالجة سياسية أو إنسانية. وبحسب رؤيته، فإن استمرار القتال لم يعد يمتلك مبررًا مقنعًا في ظل اتساع رقعة الخسائر، خصوصًا أن فرص إنهاء الحرب أو تخفيفها كانت مطروحة في محطات تفاوضية سابقة، بينها جدة والمنامة وجنيف وواشنطن، لكنها لم تتحول إلى تسوية نهائية توقف النزيف.
وانتقد سلك الخطاب الذي رافق اندلاع الحرب واستمرارها، معتبرًا أنه اعتمد على تبريرات مضللة وشعارات لم تعد قادرة على إقناع الرأي العام بعد كل ما حدث. وقال إن الحديث عن السيادة والكرامة لا يمكن أن يستمر بمعزل عن الواقع الإنساني، لأن السيادة لا تُقاس فقط بالشعارات، بل بقدرة الدولة والمجتمع على حماية الناس ومنع تدمير المدن ووقف النزوح والجوع.
وتحمل هذه التصريحات موقفًا سياسيًا واضحًا من المسار العسكري، إذ يرى سلك أن الرهان على الحسم بالسلاح يخدم مشروعًا سلطويًا محدودًا، ولا يفتح طريقًا آمنًا أمام السودان. ومن هنا دعا إلى مواجهة هذا المسار، ودعم خيار التسوية السياسية الشاملة التي توقف الحرب وتعيد بناء الاستقرار على أسس جديدة، مع وضع وحدة البلاد في مقدمة الأولويات.
وفي المقابل، يرى مؤيدو المسار العسكري أن الانشقاقات الأخيرة قد تعكس ضعفًا داخل الدعم السريع وتبدلًا في موازين القوة. وقد تناولت تقارير عربية حديثة هذا التصاعد في الانشقاقات بوصفه عاملًا مؤثرًا في المشهد، لكنها أشارت أيضًا إلى أن نهاية الحرب لا تتوقف على هذه التحولات وحدها، بل على قدرة الأطراف السودانية والإقليمية والدولية على الوصول إلى ترتيب سياسي وأمني قابل للتنفيذ.
ويكشف هذا التباين في القراءة أن السودان يعيش صراعًا مزدوجًا: صراعًا عسكريًا على الأرض، وصراعًا سياسيًا حول معنى الانتصار وطريق الخروج. فهناك من يرى أن زيادة الانشقاقات قد تسرّع تفكك الدعم السريع وتفتح الباب أمام حسم عسكري، بينما يرى سلك وقوى مدنية أخرى أن استمرار الحرب، حتى مع تغير موازينها، سيبقي المدنيين في دائرة الخطر، ولن يعالج جذور الأزمة السودانية.
وتأتي أهمية تصريحات خالد سلك من أنها تحاول تحويل النقاش من الاحتفاء بالتحولات الفردية إلى سؤال الكلفة العامة للحرب. فعودة قيادي أو انشقاق آخر قد يغيّر جزءًا من الصورة الإعلامية، لكنه لا يعيد النازحين إلى بيوتهم، ولا يرمم ما تهدم في الجزيرة والخرطوم ودارفور وكردفان، ولا يعالج الجراح الاجتماعية التي تركتها الحرب في القرى والمدن.
كما أن حديثه عن “سقوط مشروع الحرب” لا يعني بالضرورة أن المعارك انتهت ميدانيًا، بل يعني، من وجهة نظره، أن الخطاب الذي برر استمرارها فقد قدرته على الإقناع، وأن الثمن الذي دفعته المجتمعات المحلية كشف حدود الخيار العسكري. لذلك يربط سلك بين وقف إطلاق النار والتسوية السياسية، باعتبارهما طريقًا واحدًا لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.
وبذلك، تضيف تصريحات خالد عمر يوسف فصلًا جديدًا إلى النقاش السوداني حول الحرب والسلام. فهي لا تنفي أهمية الانشقاقات الأخيرة من زاوية سياسية أو معنوية، لكنها تضعها في حجمها الطبيعي، وتؤكد أن المعيار الحقيقي لأي تطور يجب أن يكون قدرته على إنهاء معاناة السودانيين، لا مجرد تغيير الاصطفافات داخل معسكرات القتال.
وفي ظل استمرار الأزمة، يبقى السؤال مفتوحًا أمام القوى السودانية: هل تتحول الانشقاقات والضغوط الميدانية إلى فرصة لوقف الحرب وبناء تسوية شاملة، أم تتحول فقط إلى وقود جديد لمعركة طويلة يدفع ثمنها المدنيون؟ بالنسبة لخالد سلك، الإجابة واضحة: الطريق الأقصر يبدأ بوقف إطلاق النار، ثم مسار سياسي يعالج جذور الصراع ويمنع إعادة إنتاج الحرب تحت عناوين جديدة.