مجذوب أونسة، أحد الأصوات البارزة في الوجدان الغنائي السوداني، غيّبه الموت اليوم الاثنين 25 مايو 2026، إثر حادث مروري مؤلم وقع على الطريق الرابط بين عطبرة وأم درمان، في خبر هزّ الوسط الفني والثقافي وأعاد إلى واجهة الذاكرة مسيرة فنان ظل حاضرًا في قلوب السودانيين لعقود طويلة.
وبحسب ما نقلته مصادر إعلامية سودانية، كان الراحل في طريقه لتقديم واجب عزاء قبل أن يقع الحادث، فيما جرى نقل الجثمان إلى مدينة شندي تمهيدًا لنقله لاحقًا إلى أم درمان لإجراءات الدفن ومواراة الجثمان الثرى. كما أفادت مصادر أخرى بأن الإسعاف الذي يحمل جثمان الفنان تحرك من مستشفى شندي التعليمي باتجاه منزله في الحتانة بأم درمان.
وجاء رحيل مجذوب أونسة صادمًا لمحبيه، ليس فقط لأنه وقع بصورة مفاجئة، بل لأنه جاء قبل أيام من عيد الأضحى، وفي وقت كان الجمهور ينتظر ظهوره في حلقة معايدة سجّلها قبل يومين مع الشاعر مختار دفع الله، وكان مقررًا بثها عبر قناة الخرطوم خلال أيام العيد. هذه المفارقة المؤلمة جعلت خبر الرحيل أكثر وجعًا، إذ كان الفنان يستعد لمشاركة جمهوره لحظة فرح، فإذا بالحزن يسبق البث والتهنئة.
وخيم الحزن على الوسط الفني السوداني عقب إعلان الوفاة، وسادت حالة من الصدمة بين الفنانين والمثقفين ومحبي الراحل داخل السودان وخارجه. ونعاه عدد من زملائه ومحبيه بكلمات مؤثرة، معتبرين أن رحيله يمثل فقدًا كبيرًا لصوت سوداني أصيل أسهم في تشكيل جزء مهم من ذاكرة الأغنية السودانية الحديثة.
ويُعد مجذوب أونسة من الأسماء التي ارتبطت في وجدان السودانيين بالأداء الدافئ والإحساس العميق، فقد امتلك صوتًا مميزًا وحضورًا فنيًا جعل أعماله قريبة من المستمع السوداني. لم يكن مجرد مؤدٍ لأغنيات عابرة، بل كان صاحب تجربة ذات ملامح خاصة، جمعت بين الأصالة والتجديد، وبين احترام روح الأغنية السودانية والانفتاح على التوزيع الموسيقي المتطور.
ومنذ سبعينيات القرن الماضي، أسهم أونسة في ترسيخ مشروع غنائي حمل بصمته الخاصة، عبر اختيارات فنية حافظت على روح السودان وأعطت الأغنية مساحة أوسع من التعبير. عُرف باهتمامه بجودة الأداء، وبإحساسه بالكلمة واللحن، وبقدرته على تقديم أعمال عاطفية ووطنية ظلت حاضرة في ذاكرة المستمعين. وفي زمن شهد تحولات كثيرة في الذوق الموسيقي، ظل صوته محتفظًا بمكانته لدى أجيال متعاقبة.
وتكمن قيمة الراحل في أنه كان جزءًا من مرحلة مهمة في تطور الأغنية السودانية، مرحلة بحثت عن تحديث الشكل دون كسر الجذور. لذلك ارتبط اسمه بتجربة فنية احترمت الإرث السوداني، وفي الوقت نفسه اقتربت من روح العصر، سواء عبر الأداء أو التوزيع أو الحضور الإعلامي. وهذه المعادلة ليست سهلة، لأنها تحتاج إلى فنان يعرف قيمة الماضي، ويملك في الوقت نفسه شجاعة التجديد.
رحيل مجذوب أونسة لا يمثل فقدًا فنيًا فقط، بل فقدًا وجدانيًا لجيل كامل تربى على أصوات صنعت ملامح الحياة السودانية في البيوت والمنتديات والإذاعات والمناسبات. فالفن السوداني ظل دائمًا أكثر من أغنية؛ كان ذاكرة، ورفقة، وهوية، ونافذة للفرح في أوقات الشدة. ومن هنا يأتي حجم الحزن على رحيل أونسة، لأنه يذكّر السودانيين برحيل زمن كامل من الأصالة والدفء والصدق الفني.
وفي ظل ما يعيشه السودان من ظروف قاسية، يأتي فقد الفنانين الكبار أكثر إيلامًا، لأن البلاد تحتاج إلى أصواتها التي حفظت وجدانها وعبّرت عن أحلامها وأحزانها. ومجذوب أونسة كان واحدًا من هؤلاء الذين لم يرتبطوا بفترة زمنية فقط، بل ارتبطوا بمشاعر الناس، وبالأغنية التي تظل حية حتى بعد رحيل صاحبها.
وبرحيله، يفقد السودان فنانًا أسهم في توثيق جزء من الذاكرة الغنائية الوطنية، وترك أعمالًا ستظل حاضرة في وجدان محبيه. فالموت قد يوقف الصوت الجسدي، لكنه لا يطفئ أثر الفنان حين يكون صادقًا وعميقًا في ذاكرة شعبه. وسيبقى مجذوب أونسة حاضرًا في الأغنية السودانية، وفي ذاكرة محبيه، وفي تاريخ الفن السوداني الذي سيحفظ اسمه ضمن الأصوات التي منحت الوطن جمالًا ووجدانًا.
نسأل الله أن يرحمه رحمة واسعة، وأن يغفر له، وأن يلهم أسرته وذويه ومحبيه والوسط الفني السوداني الصبر وحسن العزاء. وإنا لله وإنا إليه راجعون.