مدينة نيالا تعيش واقعاً أمنياً بالغ الخطورة والانفلات في ظل سيطرة مليشيا الدعم السريع المتمردة، حيث تحولت الشوارع والأسواق إلى ساحات لتصفية الحسابات والاشتباكات المسلحة. ففي حادثة دموية مروعة تعكس حجم الفوضى وغياب مؤسسات إنفاذ القانون، شهد سوق المواشي الواقع شمالي عاصمة ولاية جنوب دارفور، يوم الاثنين، اندلاع شجار مسلح عنيف أسفر عن مقتل 5 أشخاص، في مشاهد ترويعية بثت الرعب في نفوس المواطنين والتجار وأكدت الفشل الذريع للمليشيا في بسط أدنى درجات الأمن.
وتعود تفاصيل الفاجعة، وفقاً لإفادات شهود عيان، إلى مشادة كلامية وخلاف شخصي نشب بين شابين داخل أحد المقاهي الشعبية بسوق المواشي. وسرعان ما تطور هذا الخلاف إلى عراك بالأيدي، قبل أن ينتقل الطرفان إلى منطقة “القشارات” المجاورة للسوق، حيث أقدم أحدهما على تسديد طعنات قاتلة للآخر باستخدام سلاح أبيض، مما أدى إلى وفاته مضرجا بدمائه في مكان الحادث، في ظل غياب تام لأي تواجد أمني أو شرطي يمنع تطور الجريمة.
ولم تتوقف عجلة الدماء عند هذا الحد، بل أخذت منحى تصعيدياً خطيراً يعكس عقلية أخذ الثأر باليد في غياب سلطة الدولة. فبعد وقت قصير من وقوع الجريمة الأولى، وصل أقارب القتيل إلى مسرح الحادث مدججين بالأسلحة النارية، وقاموا بإطلاق الرصاص الحي مباشرة على الجاني وشخص آخر كان برفقته، مما أدى إلى مقتلهما على الفور في مشهد تصفية علني زاد من حالة الهلع والتدافع بين مرتادي السوق.
وتجلت ذروة العبث الأمني والهمجية بتدخل عناصر من مليشيا الدعم السريع المتمردة. فقد أفادت الروايات الميدانية المتطابقة بأن موقع إطلاق النار كان يقع على مقربة من مقر تتمركز فيه عناصر المليشيا في منطقة “القشارات”. وعقب سماع دوي الرصاص، خرج أحد جنود المليشيا وتوجه نحو المتشاجرين، وبدلاً من احتواء الموقف بمهنية، حاول إجبارهم بقوة السلاح على رفع الجثث. وإثر رفضهم الانصياع لأوامره، أقدم عنصر التمرد بدم بارد وتهور على إطلاق النار بشكل عشوائي، مما تسبب في مقتل شخصين إضافيين، ليرتفع عدد الضحايا إلى خمسة قتلى.
وفي محاولة بائسة لاحتواء الفضيحة والتستر على رعونة عناصرها، تدخلت قوة تابعة للمليشيا المتمردة لاحقاً في السوق، وقامت بتوقيف أفراد المجموعة المسلحة، وتجريد الجندي المتورط من سلاحه واقتياده إلى أحد المعتقلات التابعة لها. إلا أن هذا الإجراء الصوري لم يفلح في تهدئة الشارع أو طمس حقيقة أن سلاح المليشيا بات هو المهدد الأول لحياة المدنيين.
إن ما جرى في سوق المواشي ليس حادثاً عرضياً، بل هو استمرار لسيناريو يومي من حوادث القتل، والنهب، والعنف الممنهج الذي يضرب مدينة نيالا، رغم ادعاءات المليشيا بنشر نقاط تفتيش وحملات أمنية وهمية. وتؤكد هذه الحادثة الدامية أن استعادة الأمن والسلم المجتمعي في جنوب دارفور، وكافة ولايات السودان، لن يتحقق إلا بدحر هذه المليشيات المتمردة، وعودة مؤسسات الدولة الشرعية والقوات المسلحة لبسط هيبة القانون وحماية أرواح وممتلكات المواطنين.