أخبار السودان تتصدرها اليوم تطورات سياسية معقدة وحالة من الاستقطاب الحاد داخل الأروقة المدنية والمسلحة، مما يضع مستقبل العملية السياسية في البلاد أمام اختبار مفصلي. ففي مشهد يعكس عمق الانقسام وتبادل الرؤى حول كيفية إدارة مرحلة ما بعد دحر مليشيا الدعم السريع المتمردة، برز الجدل مجدداً وبقوة حول إقصاء الإسلاميين وحزب المؤتمر الوطني من أي عملية سياسية مقبلة، بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ البلاد.
وتجلت هذه التباينات بوضوح عقب الاجتماع الحضوري الثاني للمكتب التنفيذي لتحالف “صمود” الذي عُقد في العاصمة الكينية نيروبي برئاسة عبد الله حمدوك. فقد شدد البيان الختامي للتحالف على شرطية بناء الانتقال الديمقراطي عبر ما أسماه “إبعاد الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني المحلول وواجهاته”، مطالباً بتفكيك تمكينه في المؤسسات الأمنية والخدمة المدنية، وتقديم قادته الهاربين للعدالة. ويعكس هذا الخطاب رؤية التحالف بأن أي عملية سياسية لا تستند إلى محاسبة وإقصاء لن تؤسس لنظام ديمقراطي فعّال. كما رحب التحالف بالقرار الأمريكي الأخير بتصنيف الحركة الإسلامية مجموعات إرهابية.
في المقابل، برز تيار وطني وعسكري يرفض نهج الإقصاء من حيث المبدأ، حيث أعلن القائد مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور وأحد أبرز قادة الحركات المسلحة المساندة للجيش الوطني في معركة الكرامة، رفضه القاطع لأي دعوات تستهدف عزل قوى سياسية بعينها. وأكد مناوي بوضوح أن الحوار السياسي والوطني لا يمكن أن يكتمل ما لم يشمل جميع الأطراف السودانية، محذراً من أن استبعاد أي طرف—سواء المؤتمر الوطني أو قوى الحرية والتغيير—سيقود حتماً إلى إعادة إنتاج الانقسام والأزمات بدلاً من إنهائها، ومشيراً إلى أن الإقصاء، مهما كانت مبرراته، سيفتح الباب أمام صراعات جديدة حول الشرعية.
ويأتي هذا الموقف المزدوج في سياق أوسع من التوتر بين القوى المدنية المختلفة؛ حيث ترفض “الكتلة الديمقراطية”—التي تضم قوى وشخصيات وطنية مؤيدة للقوات المسلحة ومؤسسات الدولة—إشراك المجموعات والواجهات السياسية المرتبطة أو الداعمة لمليشيا الدعم السريع المتمردة (مثل تحالف تأسيس) في أي مشاورات سياسية. وفي هذا الصدد، أشار مبارك أردول، القيادي بالكتلة الديمقراطية، إلى أن الأطراف المشاركة في “اللجنة التحضيرية” أقرت رفض مشاركة الواجهات الداعمة للتمرد، كخطوة أساسية لضمان سلامة القرار الوطني.
وعلى الصعيد الإنساني، دعا تحالف صمود القوات المسلحة للقبول بمقترح الهدنة الإنسانية لتمرير المساعدات، معبراً عن قلقه إزاء تدهور الأوضاع المعيشية. إلا أن هذه التحركات والمواثيق الموقعة في نيروبي اصطدمت برفض حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، التي امتنعت عن التوقيع على الرؤية المشتركة بسبب الخلاف الجوهري حول ملف إبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية.
وتكشف كواليس نيروبي عن معضلة مركزية تواجه المسار السياسي السوداني: كيف يمكن بناء عملية سياسية شاملة ومستدامة في ظل مطالبات الإقصاء من جهة، ومخاوف إعادة إنتاج الصراع من جهة أخرى؟ وفي الوقت الذي يسطر فيه الجيش السوداني ملاحم بطولية لدحر التمرد العسكري، يبقى التحدي الأكبر أمام القوى المدنية هو التسامي فوق الخلافات الحزبية، وتقديم تنازلات تسهم في توحيد الجبهة الداخلية، وبناء مظلة وطنية واسعة لا تقصي أحداً، وتضع استقرار السودان وسيادته فوق كل اعتبار.